سورية: تائهة بين أبناء وطني

المصدر: 
WLUML

يوم الاربعاء 15/5/2013

يحنو على مدينتي دير مار موسى الحبشي المتشبث بجبال القلمون محيطا إياها بجناحي رسول السلام سيدنا المسيح ، ناثرا من قمته العالية المحبة علينا وعلى جميع المارين بها، فهي همزة وصل العاصمة دمشق بالشمال السوري ولمعظم السوريين ذكريات حطت رحالها في مدينتي، في ظل الظروف الراهنة التي تعيشها البلاد تحول الطريق الدولي الذي تطل عليه، إلى طريق رئيسي لمرور الأرتال العسكرية المتوجهة إلى مناطق ساخنة، وهذا مايجعلنا معرضين للخطر في كل يوم تمر فيه هذه الأرتال.

.إلا أن المرور الاخير لهذه القوافل تجاوز كل مراحل الخطر والخوف والحرب ، ومتجاوزا حتى حدود الوعي والعقل

 

بدأت المعركة بقيام كتائب مسلحة بتفخيخ وتفجير الطريق الدولي أثناء مرور الرتل العسكري التابع للجيش العربي السوري النظامي، توجسمعظم الأهالي من الرد العسكري للنظام، ولكن الاحتفاظ بحق الرد مع العدو الاسرائيلي الذي تناقل العالم الأخبار عن غاراته على دمشق جعلنا نتأمل باحتفاظ النظام بحق الرد بالنسبة للمدنيين العزل من سكان المدينة.

لن تمحو من ذاكرتي صور الأطفال الصغار محتفلين بنتائجهم النهائية لمدارسهم، كانوا بأبهى حلة، هناك طفلتان صغيرتان تتنافسان على الهدية المستلمة من المٌدرسة، أصوات ضحكاتهم لا تزال كالأجراس تصدح رغم كل الدم والبارود، خيبتنا في الاحتفاظ بحق الرد كانت سريعة، فجاء الرد على وقع أصوات الرصاص والقنابل والصواريخ ، بدأ الاطفال بالتراكض يمينا وشمالا مذعورين، إحدى الطفلتين اخذت تركض للأمام وعينيها معلقتين باللعبة التي سقطت منها، فأجهشت بالبكاء لأن أحلامها ضاعت مع اللعبة.

خمس ساعات ثقيلة مرت بصعوبة على الأطفال، كانت مدرستهم التي لونوا فيها الفراشات وتعلموا أناشيد الحرية هي ملجأهم الوحيد في قبوهاالبارد المظلم، ليتراكض شباب متطوع لمساندتهم وحمايتهم.

في مكان عملي وفي مكان قريب جدا من الاتوستراد، كان همي زميلاتي في العمل االلواتي أتين من خارج المدينة ولن يتمكنوا من العودة إلى بيوتهم حاليا نتيجة انقطاع الطرق المؤدية إليها، أصوات ممزوجة بالألم والخوف والرعب، ونساء يبكين ويصرخن"أريد أن أعود إلى بيتي وأولادي".

من مكاني أرى القناص التابع للنظام وهو يستهدف جميع المارة دون استثناء وأرى أبناء مدينتي يهرعون خوفاً من رصاص هذا المجرم الذي لا يميز بين طفل ورجل وامرأة حيث استساغ طعم الموت، وأصبح يتلذذ بالقتل، إحساس بالمرارة لا يوصف أن ترى أفعى تبث سمومها عشوائيا على أبرياء دون أن تتمكن من أن تفعل أي شئ سوى ان تحاول تخبئة الضحية إلى حين هدوء الأفعى.

كان الخبر الصاعق لنا جميعاً بانه تم استهداف المشفى المركزي في المدينة بقذائف مدفعية ،; شعرت بالعجزر أن أختار، أن أختار بين أن أذهب للمساعدة في إنقاذ أرواح هناك وبين أن أبقى مكانيلأحافظ على نفسي.فقمة المأزق الإنساني عندما يتحتم عليك مواجهة الموت لأجل الاخرين، هنا عليك أن تختبر انسانيتك الحقة فعلا، دفعني هاجس ما للإصرارع الذهاب أهو الفضول أم هو الخوف أم هي الإنسانية التي طغت على كل مابداخلي.

هنام، رأيت امراة على كرسي الولادة تعاني مخاضين مخاض الولادة ومخاض الخوف من الموت، ويقوم الممرضون بانزالها للقبو، هذا هو المشهد الأول الذي استقبلني في ذلك المشفى، واخرى أيضاً على كرسي الولادة ولكن بعد أن انتهت من مخاض الولادة ليكون مخاضها الثاني انها تسال أين ابني ليطمئنها أحدهم أنه تم إنزاله للقبو قبلها.

أزيز طائرة يغلق علينا مدارك التفكير، فالطائرة الحربية تحوم والجميع يرقب صوتها وينتظر أن يرى أين ستلقي بحمولتها، كل واحدة تردد ما حفظت من القران يناجين الله بكل ماملكن من إيمان.

مجموعة أخرى من النسوة في مكان مجاور للمشفى يخرجن لكي يطلبن من عناصر الجيش الحر التي تحاول انزال الطائرة قبل أن تقوم بالقصف ، ليكون رد هذه العناصر بتخويف وترعيب هذه النسوة باطلاق النار للسكوت والعودة إلى أماكنهم.

انتهت المعركة، وعدت الى منزلي محملة بذاكرة كصندوق الدنيا الصغير، ومع كل إغماضة عين مشاهد مؤلمة تتكرر وتتكرر، وصلت عتبة البيت منهكة بفاجعة وطن، دخلت لأطمئن على أهلي لأجد منزلي وقد دخلت فيه شظايا مدفعية حطمت زجاج النوافذ وسقطت على طفل أختي الرضيع الذي لم يتجاوز عمره الشهر لتنهمر دموعي عندما أرى بأم عيني كيف نجى من شظية سقطت على سريره نجى منها ولم تصبه باعجوبة.

مرارة العلقم والدمع الحبيس في عيني، أبناء بلدي متمسكون بالحياة لأقصى درجة ولكن مع كل هذا الموت المنتشر في الأرجاء بدأت في داخلي تتصارع الاحكام، من تم استهدافهم بالتفجير هم أبناء وطني ولكنهم ذاهبون لقتال ابناء وطني أيضاً، الطيار الذي يقود الطائرة والجندي الذي يقصف بالمدفعية والمصابين من جراء القصف كلهم من أبناء وطني.

هذا التناقض الذي دفعنا إليه النظام متعمداً عندما وضع الجيش في المعركة ليقتل ويقتل من أبناء وطنه ... ولأبقى تائهة بين أبناء وطني.

أميرة زياد مالك – النبك - سوريا