الدستور السوري والتحفظات على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة

المصدر: 
نساء سورية
كتبت امل يونس, رابطة النساء السوريات: جاء المرسوم 330 بتاريخ 25/9/2002 القاضي بالتصديق على اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة أي بعد ثلاث وعشرين عاما من تاريخ إقرارها من قبل هيئة الأمم المتحدة وأن يأتي متأخرا خيراً من أن لا يأتي أبدا – ولكن هذا المرسوم شمل عدة تحفظات على الاتفاقية كرست مبدأ التمييز ضد المرأة لاسيما الموجود في بعض القوانين النافذة مما يؤخر تحقيق أي تطور لوضع المرأة السورية لمرحلة زمنية طويلة.
ومن العودة إلى التحفظات نجد إن الاتفاقية نفسها تسمح وفق المادة 28من الاتفاقية بالتحفظ على بعض المواد ولكن بشرط أن لا يتنافى مع موضوع الاتفاقية وغرضها الأساسي القضاء على التمييز ضد المرأة.

والتحفظات السورية التي جاءت على نص الاتفاقية أفرغتها من مضمونها وأضحى التصديق عليها غير فعال ولا يُلزم الدولة بأي إجراء يساعد في القضاء على التمييز ضد المرأة ويخالف الدستور السوري نفسه الذي نص على المساواة بين المرأة والرجل.

التحفظ الأول:

كان على نص المادة الثانية من الاتفاقية التي تقع فيه مسؤولية على الدول الأطراف بشجب كافة أشكال التمييز ضد المرأة، وتوافق على أن تنتهج بكل الوسائل المناسبة، دون إبطاء، سياسة للقضاء على التمييز ضد المرأة. وذلك في الدساتير الوطنية والتدابير التشريعية والحماية الحقوقية للمرأة بالتساوي مع الرجل. وعدم القيام بأي ممارسة تمييزية ضد المرأة. واللجوء إلى تعديل القوانين والأنظمة والأعراف والممارسات القائمة التي تشكل تمييزا ضد المرأة. وإلغاء جميع قوانين العقوبات التي تشكل تمييزا ضد المرأة وهذه المادة تشكل جوهر الاتفاقية.

ويجب إزالة التحفظ عنها للأسباب التالية:

هذه المادة لا تتعارض مع أحكام الدستور السوري الذي يقول بمادته الثالثة: المواطنون متساوون أمام القانون في الحقوق والواجبات. كذلك المادة الرابعة تكفل مبدأ تكافؤ الفرص بين المواطنين. والمادة السادسة والعشرون أعطت الحق لكل مواطن في الإسهام في الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وينظم ذلك القانون. والمادة الأهم هي المادة الخامسة والأربعون التي تقول بأن تكفل الدولة جميع الفرص التي تتيح للمرأة المساهمة الفعالة والكاملة في الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية، وتعمل على إزالة القيود التي تمنع تطورها ومشاركتها في بناء المجتمع العربي الاشتراكي. وهذا كله يتطابق مع ما جاءت عليه المادة الثانية من الاتفاقية.

وحيث انه من أهم العقبات والقيود التي تشكل سداً منيعاً في وجه تطور المرأة هو وجود قوانين تشكل، في العديد من موادها، تمييزاً ضد المرأة، وأهم هذه القوانين هما قانوني العقوبات السوري والأحوال الشخصية.

أما القانون الأول ففيه الكثير من التمييز، بل العنف القانوني الواقع على المرأة، والأكثر ظلماً لها هو الفصل المتعلق بالاغتصاب وما يتضمن من مواد! من المادة 489 المتعلقة بإكراه غير الزوج على الجماع، إلى المادة 507 المتعلقة بدخول مكان خاص بالنساء! ويشمل ضمناً المواد المتعلقة بالاعتداء على قاصر، وإجراء فعل مناف للحشمة مع آخر بالعنف والتهديد أو بالحيلة، أو مع قاصر، والفعل المقترف من أكثر من شخص. وكذلك قيام موظف ذو سلطة باغتصاب زوجة سجين. وجرم الخطف، وارتكاب الفجور، وإغواء فتاة بوعدها بالزواج..

وبعد النص على المعاقبة على كل هذه الأفعال، تأتي المادة الكارثة 508 لتقول: إذا عقد زواج صحيح بين مرتكب إحدى هذه الجرائم وبين المعتدى عليها أوقفت الملاحقة القضائية، وإذا صدر حكم بالقضية علق تنفيذ العقاب الذي فرض عليه!

وهذا يشكل مخرج نجاة لكل مجرم خاطف أو فاجر أو مغتصب أو شاذ! ودعوة صريحة لكل من يريد الزواج بامرأة لا تريده فيخطفها، ثم تضطر للزواج منه وتسقط كل التهم عنه! وهذه الجرائم، رغم عدم وجود إحصائيات دقيقة حولها، ولبقاء الكثير منها تحت جناح الخفاء ودون الكشف عنها لما يلحق بالمرأة من فضيحة اجتماعية واتهامات من قبل الرأي العام والإعلام كمسؤولة عما حدث لها، هذه المادة تشكل حماية قانونية لمرتكبي الجرائم المذكورة أعلاه

وتشكل أكبر عنف قانوني بحق المرأة!

والتمييز الآخر في القانون هو المواد المتعلقة بالزنا. حيث ينص على عقوبة الرجل الزاني، حسب المادة 473، بين سنة وشهر على الرجل المتزوج الذي يمارس الزنا في منزل الزوجية، أو يتخذ خليلة له جهاراً حسب المادة 474. أما عقوبة المرأة الزانية فهي، في كل الأحوال، من ثلاث أشهر إلى ثلاث سنوات! وهكذا نجد عقوبتين للفعل الواحد!!

والمادة 548 التي تحل من فاجأ زوجه أو أحد أصوله أو فروعه أو أخته في جرم الزنا أو صلات فحشاء، فأقدم على قتلهما أو إيذائهما أو قتل أو إيذاء أحدهما بغير عمد ! والعذر المخفف في الحالة المريبة!

وهكذا نجد المجرم الذي أزهق روحين أو آذاهما أو أحدهما بحلٍّ من العقاب وهو العالم مسبقاً بأنه محمي قانوناً!

هذا يجعل القانون بحاجة لتغيير بما يوائم الدستور واتفاقية سيداو.

التحفظ الثاني:

جاء على المادة التاسعة المتعلقة بالجنسية ومنح حقاً متساوياً للمرأة والرجل في اكتساب الجنسية أو تغييرها، ومنحها لأطفالها. وهذه المادة تتوافق مع ما منحه الدستور من حقوق متساوية للرجل والمرأة معاً. والتحفظ عليها يشكل مخالفة صريحة للدستور.

وكذلك مع نص المادة 15 من الاتفاقية نفسها التي تمنح للمرأة والرجل حقوقاً متساوية وأهلية مماثلة للطرفين. ولم يتم التحفظ عليها.

التحفظ الثالث:

على المادة 16 من الاتفاقية المتعلقة بالزواج والعلاقات الأسرية. وما يشكل قيداً وثيقاً على المرأة والأسرة في هذا المجال هو قانون الأحوال الشخصية السوري الصادر بالمرسوم 59 لعام 53 والمعدل في عام 74 بالقانون 134، والمطبق على كافة الطوائف باستثناء ما يتعلق بانعقاد الزواج إجراءات وشروط وأركان. فلكل طائفة بذلك تقاليدها. ودون أن ندخل في تفاصيل المواد، إن أهم المواد المجحفة بحق المرأة والتي تجعل القانون بأمس الحاجة

للتغيير هي: - الطلاق بإرادة منفردة

- تعدد الزوجات

- الولاية

- النفقة الزوجية

- منزل الزوجية

- الإرث

- الطلاق الرجعي

- فشل مؤسسة التحكيم

- الحضانة

- سن الزواج المبكر

- المخالعة التي تكون دائما على حساب المرأة.

وغيرها من المواد التي تجعل من القانون بحاجة ماسة للتعديل باتجاه قانون أسرة يضمن لطرفي عقد الزواج الحق في أن يضمنا كل ما يرانه مناسباً بما يحفظ لهما وللأطفال والأسرة حياة سليمة. ويكون فسخه بين ذات الأطراف بذات الحقوق والواجبات وبما يتلاءم مع بنود المادة 6 من الاتفاقية.

والتحفظ الأخير:

وهو يتعلق بالمادة 29 المتعلقة بالتحكيم لحل الخلاف الناشئ حول تفسير الاتفاقية من قبل الأطراف.

وهذه المادة لا تعني، بأي حال من الأحوال، التدخل في شؤون البلد الداخلية اجتماعياً أو اقتصادياً أو سياسياً. إنما هو حق لهيئة الأمم المتحدة في مراقبة تنفيذ بنود الاتفاقية ومراقبته تحت مظلة الأمم المتحدة القانونية التي تشكل مرجعية حقوقية واحدة لكل الدول الموقعة على الاتفاقية.

أخيرا فإن تنفيذ الاتفاقية مسؤولية كافة الجهات والمؤسسات. لاسيما مؤسسات المجتمع المدني التي يلزمها، لتقوم بدورها المطلوب، جو من حرية الحركة والتعبير. وأهم ما في تأمين هذا الجو هو صدور قانون الجمعيات الذي يخلق مساحة واسعة للعمل الأهلي، ويولد علاقة شراكة حقيقية بين أطراف عملية التنمية في البلد. إضافة إلى توفير كافة المعلومات والوثائق حول قضية المرأة من مختلف الجهات المتخصصة، وغير المتخصصة، لرصد الحالة التي عليها المرأة السورية، وللانطلاق نحو عمل فعال للوصول لتنفيذ الاتفاقية بكل ما تضمنته.