الأوصياء على النساء

المصدر: 
عرب 48
لقد تم كتابة هذه المقالة بعد تعرض جمعية نساء وآفاق وبعض المجموعات النسوية والنسائية الفلسطينية في منطقة ال 48 لموجة من التحريضات والاتهامات.
الأوصياء على النساء / عرين هواري ورنا فاهوم

لماذا يصبح السكوت في عصرنا على الظلم مشروعا ومباحا؟ ولماذا يتم التساهل مع خرق المحرمات القومية والوطنية؟ لماذا يتم الاستقواء على النساء بالتحريم والتكفير بينما يستقبل المتعاون والمختلس بحفاوة لدى بعض هؤلاء المكفرين والمحللين والمحرمين؟ لماذا تتهم النساء بالتحريف والكفر والخروج عن التعاليم لمجرد استشهادهن بمقولة لبعض الفقيهات والفقهاء، أو لمجرد طرحهن لبعض التساؤلات حول هذا التفسير أو ذاك؟ هل نعجز عن مواجهة السلطة وأعوانها ونجد ضالتنا بالاستقواء على النساء تعويضا عن ذلك القصور وعن ذلك التقاعس؟

كثيرا ما نشاهد في قرانا ومدننا فروعا لأحزاب السلطة، يتجند العديد من الشبان في قرانا للأحزاب الصهيونية وللجيش الإسرائيلي ولا تهتز لمعظمنا شعرة. قد نصبح يوما على حرب عائلية في أحدى القرى العربية ونمسي على حرب طائفية في قرية أخرى. ربما نتألم ونستنكر، أو حتى قد نشعر بالخجل والإحراج. نتمنى أن يتوقف الخلاف والشجار لنحفظ ماء وجهنا بين المجتمعات الأخرى، ولكن غضبنا وخجلنا لا يتعدى مباركة سلوك النشطاء وال"وجهاء" المختصين بحل المشاكل، أي لا نرى المأساة مأساة كل منا، لنقف ضدها ولنحاربها.

ينتهك الصالح العام ونصمت، ينتهك الوطن ونصمت، تنتهك وحدتنا القومية ونصمت، تنتهك الأرض ونصمت، ينتهك الكثير ويتم التعدي على الكثير من المجالات ونصمت، إلا في حالة واحدة. إنها تلك الحالة التي لا تكلف العناء والجهد، التي لا تمس سلطتنا ومركزنا، وخاصة تلك الحالة التي لا تلزمنا بجهد الفكر والتفكير. ومن هي الفئة التي أذا عاديناها لا نكلف عناء، ولا نخسر الكثير وربما ولا القليل، بل ونضمن سلطة وجاها، من هي تلك الفئة المستضعفة التي نتنافس على فرض سلطتنا عليها لكي نبرهن أننا غير عاجزين؟ إنها فئة النساء.

ما أسهل فرض الوصاية على النساء وما أكثر ما يستسيغ مجتمعنا لهذه الوصاية. يسهل احتكار الحق والسلطة والسلطان عندما يكون المستهدف هو النساء. الوقوف أمام النساء لا يكلف فهو ليس كمواجهة السلطة، ولا يهدد الأجر الشهري، كما أنه لا يلزم بالاستناد إلى الحجة والمنطق السليم. في هذه الحالة لا يحتاج الاستقواء على النساء واستضعافهن إلى برنامج سياسي أو اجتماعي محبوك، كما وليس هنالك حاجة لحجة مقبولة أو برهان. فتكفي بعض الشعارات الرنانة لمحاربتهن ولإخافتهن ولإعادتهن إلى بيوتهن. في هذه الحالة لا يطلب المدعي الحجة والبرهان ولا يحتاج إلى قول الحقيقة واعتماد الحق؛ يكفي أن يدعي مشهر السيف ومعلن الحرب أنه يتحدث باسم الدين ويلجأ إلى سيف التكفير الذي طالما يغني عن التفكير.

وكي لا يبقى الكلام على عواهنه ومجرد "كلام تنظير" نعيد الكلام على سياقه العيني. فمنذ شهر نشرت مقابلة صحفية مع نشيطات من جمعية نساء وآفاق. وهي جمعية تعمل على التثقيف لحقوق المرأة من خلال احترام السياق الديني الذي يعيشه المجتمع. الادعاء المركزي لجمعية نساء وأفاق كما فهمناه من عضوات الجمعية يقول أن الإسلام منح النساء الكثير من الحقوق، سواء في القران الكريم أو الحديث الشريف كما عند بعض الفقهاء والفقيهات. لكن اختلاف المفسرين واختلاف السياقات السياسية والتاريخية والاجتماعية، أدى إلى وجود تفسيرات مختلفة لأصحاب مذاهب مختلفة، بعضها ينصف المرأة والجزء الأخر يمنع عنها بعض الحقوق. وتنادي هذه الجمعية بحق النساء في القراءة والاجتهاد وإتباع مذاهب وتفسيرات معينة ورفض أخرى. فالمذاهب والتفسيرات هي مذاهب وضعية، أي من وضع البشر وليس عليها صبغة قدسية. جمعية نساء وآفاق لا تناقش القرآن وإنما تدرس الاجتهادات المختلفة عملا بالحديث الشريف: من اجتهد وأصاب فله أجران‏،‏ ومن اجتهد وأخطأ فله أجر.

أما الباحثون عن السلطة التي لا تكلف صاحبها ولا حتى تلزمه بقراءة نص المقابلة، فقاموا بالادعاء أن هؤلاء النساء يردن تحريف القرآن وتغييره(؟!). هل حقا ثمة، مؤمن أو متدين أو علماني أو حتى ملحد في هذا العالم يجرأ على ذلك؟ هل لإنسان ما أصلا الحق بفعل ذلك؟ هل ثمة من يقدم على تحريف أهم مرجع ديني لأكثر من مليار وثلاثمائة مليون مسلم، وهو كذلك أهم مرجع ثقافي ولغوي للعرب أجمعين مسلمين كانوا أو مسيحيين أو دروزا. قد يختلف الناس مع فكر هذه الجمعية وقد نختلف فيما جاء في المقابلة. فعلى سبيل المثال عنوان المقابلة لم يكن موفقا، فقد كتب "القرآن - الصيغة النسوية"، والمقصود بل والأصح أن يقال: القراءة النسوية. لأن الصيغة النسوية هي لعملية قراءة النص وليست للنص نفسه. إذ أن جمعية نساء وآفاق تجتهد في محاولات قراءة تفسيرات وتفكيكات مختلفة للنصوص، وليس في أيجاد صيغ أخرى للحروف والكلمات. وهذا مشروع ومرغوب، فللشافعي قراءة وللحنفي قراءة وللمالكي أخرى ولابن حزم قراءة وغيرهم. فالقراءة هي انعكاس النص في فكر القارئ أو صاحب المذهب، ومن هنا ظهرت التفسيرات المختلفة. أما النص وتلاوته فيبقيان كما في الأصل.

ولا بد في هذا السياق من الإشارة الى المفهوم ضمنا: فعناوين المقابلات والتقارير في الصحف هي من وظيفة المحرر أي في هذه الحالة، حتى ولو كان هنالك نقاش أو اختلاف أو أي اعتراض على العنوان فكان الأجدر توجيه اللوم والاعتراض إلى المحرر وليس إلى من أجريت معهن المقابلة. أم أن هذا الغضب وجه الى النساء لسهولة الاستقواء عليهن واستضعافهن.

قد يعتبر البعض أنفسهم أوصياء على الحق والدين. والمشكلة تكمن في أننا لا نعرف شيئاً عن المؤهلات الدينية لأي من هؤلاء المدعين. فهل يكفي أن يكون الشخص إماما لكي يكفر فلانا ويتهم علانا؟ أم انه في حالة النساء يكفي أن يكون رجلاً؟! وبغض النظر عن مؤهلاته الدينية، هل لأحد وصاية على الدين؟ ومن أورث هؤلاء احتكار الحق ومن أورثهم الحديث باسم الدين؟ وما داموا للحق حافظون فلماذا لا نراهم في النضال الوطني والسياسي للدفاع عن أراضينا المحتلة وحقوقنا الدينية ومقدساتنا المسيحية والإسلامية. من منطلق قناعاتنا أن دفاعنا عن مقدساتنا وعن القدس لا يجب أن يقتصر على تنظيم الحافلات للصلاة يوم الجمعة بل يتعدى ذلك إلى مستويات أخرى من النضال السياسي والفكري والثقافي الذي يتجسد في الدفاع عن حقنا بالسيادة على هذه المؤسسات وبالتصدي للمعتدي الذي يحرم شعبنا الفلسطيني في الضفة والقطاع من أهم الحقوق الإنسانية أي الصلاة في الأقصى والقيامة, كذلك موقفنا من القراءات المختلفة للنصوص الدينية. كموقفنا الوطني، موقفنا الاجتماعي موقف يقبل التعددية والرأي الآخر. لسنا ندعي كالآخرين احتكار الحق أو الدين أو الوطنية ونعي أهمية الحوار والوطني السياسي كما ونعي أهمية النقاش الديني الذي يعتمد على فهم الشريعة وعلاقتها بالحقب التاريخية المختلفة. فإننا نرفض أي محاولة للمس في الدين أي كان وعلى رأسها محاولة تكفير الآخر بدون حجة والذي هو بحد ذاته كفر والحاد كقول النبي عليه الصلاة و السلام من قال لأحدهم أنت كافر فقد باء بها احدهما.

فجأة يصبح العمل النسوي مؤامرة أمريكية، ويتهم بالحصول على المال الأمريكي المعادي للعروبة والإسلام. ننسى أننا وللأسف الشديد وقفنا متفرجين أمام كل المؤامرات الأمريكية التي حيكت ضد شعوبنا. أن أسهل وأقصر طريقة لمهاجمة الحركات والعمل النسوي هو اتهامها بالعمالة للصهاينة والأمريكان. وما سبب اختيار هذا النهج؟ لأنه ليس للمهاجمين حجة! فيبتدعون "حقائق" ويبثون إشاعات وأقاويل لكي يخيفوا النساء ويعيدوهن الى "الحرملك". أين هذا من الإسلام وأين هذا من العادات والتقاليد العربية الأصيلة التي استمدها العرب من الحضارة الإسلامية؟

لم يكتف هؤلاء بتوجيه حراب سموم غضبهم وتحريضهم على الجمعية التي أجرت المقابلة، بل هي كانت فرصة لهم للتحريض على كل عمل نسوي ونسائي في البلد. تتخذ جمعية نساء وآفاق من قرية كفر قرع مقرا لها ولبعض نشاطاتها. ومنذ حوالي سنتين شهدت القرية نهضة نسائية كبيرة ، فهنالك أربع اطر نسائية: تنظيمان نسويان قطريان مقرهما كفر قرع وهما جمعية نساء وآفاق موضوع المقالة، وجمعية البيت الجماهيري للنساء، وهو تنظيم نسوي قطري عربي ويهودي، يؤمن بأن القهر لا يتجزأ وأن من يقف ضد قهر النساء عليه أيضا أن يقف أمام القهر القومي والطبقي والعرقي، وقررت الجمعية أقامة مركزها في كفر قرع كموقف سياسي ضد تهميش القرى العربية؛ وتنظيمان محليان: الأول المجلس النسائي التابع للمجلس المحلي والآخر جمعية لأجلك وهي جمعية محلية نسائية تعني بقضايا المرأة وقضايا مجتمعية متعددة. وعندما صب الغضب على المقابلة انتقل إلى كل ما هو نسائي في القرية، فحتى الجمعيتان المحليتان أصبحتا مطالبتين بالدفاع عن نفسيهما، وبتأكيد أيمانها وإسلامهما. وأصبح كل من يعمل في هذا المجال معاديا للدين: فدورات التثقيف النسوي ضد الدين، والتربية الجنسية ضد الدين، ومحاربة العنف ضد النساء ضد الدين وحتى تنظيم جولة للنساء على مسار جدار الفصل العنصري تصبح ضد الدين. مع العلم إننا نتحدث عن أربع جمعيات تعمل على النهضة المجتمعية وعلى رفع مكانة المرأة وعلى النضال ضد القهر السياسي.

وبدون الخوض أكثر بمن تجنى وطغى بحديثه، نتعجب لمن يسمع الكلام ويؤمن فيه دون أن يفحص ودون أن يقرأ، ولا يألو حتى جهدا لمراجعة المقابلة التي قامت عليها الضجة. ما أسهل اتهام نساء الجمعية بتحريف القرآن، وبالأخص لمن لم يقرأ المقابلة ولم يقرأ مبادئ الإسلام التي تحث على الاجتهاد والتي تحرم الاتهام بالزور.

ان هذه الحملة لا تختلف بمضامينها، وان اختلفت بطريقتها، عن جميع الحملات التي شنت وتشن ضد النساء. ان هذه الحملة ليست ضد ما قيل أو لم يقل، ما رمز إليه أو ما لم يرمز إليه بل هي ضد النساء وحقهن في إسماع أصواتهن وآرائهن. بل هي ضد وعي النساء لحقوقهن في إسماع أصواتهن وآرائهن، هي ضد خروج النساء إلى الحيز العام. هي حملة من مجموعة من الرجال الذين يريدون الحفاظ على أحد أهم معاقلهم ويريدون حماية الحصن الذي يستغلونه من أجل قمع النساء باسم الدين. هي حملة يشنها كل من يريد أن يحتفظ بمركزه العالي والمتعالي الذي حظي به نتيجة لممارسات اجتماعية، بعض منها غربية، تبناها مجتمعنا. هؤلاء الرجال الذين ما زالوا يعتقدون بأنهم يستطيعون الاستمرار في الاستيلاء على عقولنا وقلوبنا عن طريق تكفيرنا.

وهنا لا بد من كلمة حق تقال. في حين كانوا هؤلاء المحرضين منشغلين بتلفيق التهم، قامت مجموعة من الحركة الدينية السياسية والعديد من المتدينات والمتدينين والشيوخ في القرية بتوجيه دعوة لجمعية نساء وآفاق للحوار رافضين الانجرار وراء المحرضين والمحرفين. نحن نحترم هؤلاء ونثمن أسلوبهم الحضاري مهما اختلفوا مع الحركة النسوية في المواقف والآراء.

ستواصل الحركات النسوية مسيرتها السياسية والثقافية بفضل دعم الكثيرين والكثيرات الذين يشيدون بنشاطاتها وعطائها، والذين يشاركون هذه الحركات أنشطتها وفعالياتها. ننطلق من حرصنا على تأمين مستقبل أفضل لأنفسنا ولبناتنا وأبنائنا، ننطلق من حرصنا على الصالح العام وعلى مصلحة هذه الأمة و ومستقبلها. نؤمن بالحوار الحضاري ونرفض الإملاءات. نؤمن بالتفكير الحر ونرفض التكفير والجهل.

عرين هواري ورنا فاهوم ناشطتان نسويتان من مدينة الناصرة