بأي ذنب يقتلن؟

المصدر: 
مفتاح
في الوقت الذي تطالعنا الصحف يوميا بأخبار تتعلق بالاستعداد للانتخابات المحلية والعامة القادمة، وباخبار تتعلق بالنشاط على المستوى التشريعي ونقاش القوانين المختلفة، وبالاستعداد لاستلام قطاع غزة بعد تنفيذ فك الارتباط الاسرائيلي، وفي الوقت الذي تنشغل فيه الحركة النسوية بالمعركة حول اقرار قوانين عصرية تعطي المرأة حقوقها كقانوني الاسرة والعقوبات والتدخل الايجابي، ووسط تلك الانشغالات بورشات التثقيف والتوعية وجلسات المجلس التشريعي وأجواء الاحتفالات والتجاذبات السياسية والتنافس الانتخابي، طالعتنا الصحف المحلية يوم أمس بأخبار مؤسفة حول حادثة قتل فتاة في قرية دير جرير القريبة من رام الله وما ترتب عليها من اعتداء على المنازل وحرق المركبات في قرية الطيبة المجاورة.
ففي بلادنا هذه الايام، لا نكاد نصحو من صدمة مقتل فتاة فلسطينية بدعوى "الدفاع عن الشرف" حتى نستيقظ على صدمة لضحية أخرى، حتى أمسينا جميعا ضحايا الرعب والحزن لمستقبل مجهول يتهدد النساء في مجتمعنا.

ويبدو أن قائمة طويلة من الضحايا بانتظار تعاطفنا معها لاحقا. فليسرى العزامي، فاتن حبش والشقيقتين المغدورتين في القدس، واليوم الفتاة من دير جرير المقتولة بالسم. فهل التعاطف وحده يجدي في ظل هذه الاستباحة لأرواح النساء وهذا التقهقر على صعيد حقوق المرأة ووضعيتها؟

إن المبادرة الفلسطينية لتعميق الحوار العالمي والديمقراطي، (مفتاح)، تستنكر وبأقصى العبارات الجريمة التي وقعت بحق تلك الفتاة وكل الجرائم التي تستهدف حياة النساء، كما تستنكر أعمال الشغب التي وقعت على خلفية تلك الحادثة. وتدعو المسؤولين في المؤسسات الرسمية والأهلية العمل على وقف تلك الاعتداءات على النساء وضمان حياة كريمة وآمنة لهن.

ان وقفة مع الذات ومع الأعراف المجتمعية ومع أداء وأدوار المؤسسات المجتمعية المختلفة الرسمية منها والأهلية والاعلامية وحتى الدينية باتت مطلوبة، والجميع مطالب باتخاذ موقف هذه الأيام، الجميع مطالب برفع الصوت عاليا ليس بالادانة فقط، وإنما بالعمل هذه المرة، كل في موقعه، من أجل حماية أرواح النساء باستخدام الوسائل المتاحة جميعها بدءا بالكلمة والتحرك الجماهيري والتدخل القانوني والتوعية الشعبية لتغيير الثقافة السائدة وخلق بيئة حماية قانونية ومجتمعية فعالة للتصدي لهذه الظاهرة الآخذة بالتصاعد، ووقف التخفي خلف حجة الشرف للنيل من النساء.

فالمجتمع الفلسطيني الذي طالما عرف بالانفتاح والتسامح واحترام المرأة ودورها المجتمعي والسياسي، ليس أمامه سوى الحفاظ على تلك الصورة المشرقة في الأذهان للمرأة الفلسطينية ونضالتها واسهامها الوطني والمجتمعي والثقافي. والأكثر من ذلك، عليه النهوض بوضعيتها وضمان تمتعها بالمساواة القانونية والفعلية.

فسنين الاحتلال الطويلة ومحاولته تحويل الاراضي الفلسطينية الى معازل تبرر التخوف المشروع من عودة الممارسات الجاهلية البالية لتكون ضحيتها الاولى المرأة، ومن خنق أي محاولة فلسطينية لبناء دولة عصرية بقوانين وممارسات ديمقراطية تضمن العدالة للجميع والتنمية وسيادة القانون.

فالعنف الموجه للمرأة لم يعد حالات محصورة كما يدعي بعض ممن يريد التهرب من الحقيقة ومن المواجهة، بل أصبح ظاهرة تستحق تكثيف العمل لمقاومتها ومحاصرتها من أجل مجتمع معافى خصوصا في ظل حالة الانفلات الامني السائدة وضعف الجهاز القضائي.

ورغم وجود عدد من المؤسسات التي تصب جهودها لمواجهة هذه الظاهرة، إلا أن العمل على ما يبدو بحاجة الى مزيد من الجهود المنسقة والمتكاتفة والنضال على أكثر من مستوى كالقانوني والثقافي والمجتمعي والمؤسساتي لضمان قانون يحمي النساء وبيوت آمنة تستقبل الضحايا ومناهج تعليمية متنورة بالاضافة الى اشراك الرأي العام في العملية من خلال الاعلام والفنون التعبيرية. والأهم من ذلك مستوى الخطاب الديني والمؤسسة الدينية التي تعلب دورا كبيرا في تشكيل قناعات الجمهور والمأمول منها أن تعلن صراحة أنها لا تؤيد آخذ القانون باليد ومحاسبة الآخرين على قاعدة الشبهات، خصوصا أن قوانين ومبادئ حقوق الانسان، التي لا تتنافى مع مبادئ الديانات، تكفل للانسان الحق في الحياة، وللانسان حرية الاختيار، وللمرأة الكرامة.