الإسلام، الدستور، وبعض القضايا الخلافية في ماليزيا

المصدر: 
منظمة نساء من اجل نساء العالم
قدمت هذه الورقة السيدة زينة أنور من جمعية " أخوات في الإسلام" في ماليزيا في مؤتمر حول بناء الدستور العراقي نظمتة منظمة " نساء من اجل نساء العالم" في شهر حزيران 2005.

لقد حضر المؤتمر عدد من أعضاء الجمعية الوطنية العراقية ولجنة صياغة الدستور وعدد من الوزراء وبعض الناشطات من المجموعات النسوية والنسائية في العراق وعدد من الناشطات من عدة دول مختلفة.
---------------------

الإسلام، الدستور، وبعض القضايا الخلافية في ماليزيا

بقلم: زينه أنور، المديرة التنفيذية، "أخوات في الإسلام"

مؤتمر دستورنا...مستقبلنا

البحر الميت، الأردن،27-28 حزيران 2005

دستور ماليزيا هو دستور خليط ، لا ينص بصراحة على ان ماليزيا هي دولة علمانية، ولا يقول انها دولة إسلامية أو ان قوانين الدولة لابد أن يكون مصدرها الشريعة.

البند 3(1) من دستور ماليزيا يقول بأن الإسلام هو دين الاتحاد الماليزي، ولكن جميع الأديان الأخرى يمكن ممارستها بسلام وتناغم، هذا يعني أن الحكومة يمكنها استعمال أموال الضرائب لتوفير وترويج المؤسسات والتعليم الإسلاميين، ويمكنها استعمال هذه الأموال لبناء المساجد وتمكين المسلمين من ممارسة طريقة الحياة الإسلامية.

كل المسلمين خاضعين للقانون الإسلامي للأحوال الشخصية. ويسمح الدستور لتشريعات الولايات بتحديد ومعاقبة الاعتداءات على التعاليم الإسلامية من قبل المسلمين ، " فيما عدا الأمور الموجودة في القانون الاتحادي" أو تلك " التي يتعامل معها القانون الاتحادي" .

الدين إذاً يقع تحت سلطة الولايات، و ليس الحكومة الاتحادية. في الأوقات التي يتم احتواء المجتمعات الإسلامية من قبل قوى الأحياء الإسلامية، وحين يصبح استعمال الإسلام كإيديولوجيا سياسية من قبل الأحزاب المتنافسة لكسب دعم الناخب المسلم، فإن هذه البنود الدستورية تفتح مجموعة من المسائل الإشكالية.

- بعض المسائل المهمة و المساقط التي يجب تجنبها :-

1- الاستثناء من المساواة :

رغم أن الدستور يقر بأن جميع المواطنين متساوين أمام القانون ، ويحق لهم الحصول على حماية متساوية أمام القانون، و يمنع التفرقة على أساس الجنس، فإن هذه الضمانات لا تمنع أو تلغي أي نصوص منظمة لقوانين الأحوال الشخصية. هذا يعني أن القوانين والمؤسسات الدينية والتقليدية معفاة من بنود المساواة وعدم التمييز، و هذا الأمر – بالطبع- ليس حكرا فقط على الدستور الماليزي . وفي ولايات أخرى، و باسم حرية الدين، فإن مجتمعات الأقليات يسمح لها بالتحكم بالأحوال الشخصية لمجموعاتهم الدينية .

حملة قانون العنف المنزلي :

عندما قامت المجموعات النسوية بحملة من أجل قانون يجرم العنف المنزلي، أرادت السلطات الدينية استثناء المسلمين من الخضوع لهذا القانون .

الاعتراض على هذا القانون كان مزدوجا، أولا : لقد ناقش معارضوه أن " بعض الأشياء في القانون الإسلامي لا يعتبر عنفا بينما يعتبرها قانون العنف المنزلي عنفا" ملمحين إلى ان العنف المنزلي قد يعتبر جريمة إذا مارسه غير المسلمين، و لكن ليس المسلمين. ثانيا : كانت هناك مسألة الولاية – أن العنف المنزلي هو مسألة عائلية و ليس جريمة ومن هنا يجب أن يقع تحت وصاية الشريعة لكل ولاية، و ليس تحت الوصاية الفدرالية.

لقد عارضت المجموعات النسوية هذه الدفوعات. و في رسالة إلى المحرر، وضحت "أخوات في الإسلام" أن العنف المنزلي هو جريمة في نظر القانون وأن القانون إذاً هو قانون جنائي و لذلك فهو يأتي ضمن الصلاحيات الفدرالية .

و أشارت "أخوات في الإسلام" إلى التحيز في نقاش خصوم القانون لأن قانون حماية الطفل مر في البرلمان قبل سنتين من ذلك (عام 1994) بدون أي اعتراض أن هذه هي مسألة عائلية وبنفس الطريقة التي يعترف فيها بإيذاء الطفل ضمن العائلة على أنه جريمة، فإن العنف ضد المرأة أو أي فرد آخر من العائلة يجب أن يعتبر جريمة كذلك. كما ناقشنا أيضا أن يخضع جميع الأشخاص الذين يرتكبون أي فعل عنفي لقانون جنائي واحد في هذه البلد، وأن الناجين من العنف المنزلي يجب أن يحصلوا على حماية متساوية تحت قانون واحد، و ليس 14 قانون ولاية ديني مختلف ومتناقض.

كما لم يكن هناك أية ضمانة على أن الولايات سوف تتبنى مثل هذا القانون لأنه كان هناك العديدين من بين أعضاء السلطة الدينية على مستوى الولايات ممن اعتقدوا أن الرجال لهم الحق بضرب زوجاتهم بناءا على تفسيرهم للآية 4:34. وزد على ذلك أن سجل المحكمة الشرعية في تطبيق نصوص قانون العائلة الإسلامي يثبت تمييزا ضد النساء بسبب الإجحاف المترسخ ضد النساء. كانت المجموعات النسوية لا تريد توسيع صلاحيات المحكمة الشرعية، بسبب خوفهم من معاناة النساء من نفس التحيز والظلم الجندري كما يحصل الآن بالنسبة لتطبيق قانون العائلة الإسلامي. في حزيران 1996، نجحت المجموعات النسوية أخيرا في تمرير القانون ونشره في الجريدة الرسمية و تطبيقه بما يشمل المسلمين.

قانون حضانة الأطفال :

في أوائل العام 1999، تم تعديل قانون حضانة الأطفال لعام 1961 ليعطي الأمهات غير المسلمات الحق في حضانة أطفالهن. و لكن القانون لا يعطي الحقوق للأمهات المسلمات .

الوزير المسؤول في ذلك الحين عن شؤون النساء قالت "حيث أن حق النساء المسلمات بالحضانة جاء في قانون العائلة الإسلامي، فإن التعديل سينطبق فقط على غير المسلمات. انتهت المشكلة. ولم تجر أية محاولة لضمان أن النساء المسلمات سيستفدن بالتساوي من هذا القرار الحكومي العام من أجل ترويج حقوق النساء في ماليزيا من خلال تعديل القوانين التي تميز ضد المرأة. لماذا هذه المعاملة للنساء المسلمات كمواطنات من الدرجة الثالثة رغم أن النساء المسلمات كن شريكات بالتساوي في هذه الحملة لتعديل قانون الحضانة لإعطاء كل النساء حقوق متساوية في الحضانة ؟

لأن الحضانة تقع تحت نطاق قانون العائلة الإسلامي، قررت "أخوات في الإسلام" أن الضغط من أجل أصلاح قانون العائلة الإسلامي لجعله يعترف بحقوق النساء المتساوي في الحضانة سوف يأخذ وقتا طويلا، إضافة إلى ذلك فلم يكن هناك أية ضمانة بأن حكومات الولايات سوف تقبل مقترحاتنا .

كاستراتيجية، قررنا الدفع باتجاه إصلاح السياسات، و ركزنا على تأثير هذا التمييز على قدرة المرأة تقرير وإدارة المسائل المتعلقة برفاه الأطفال. معظم الشكاوي تركزت حول حق الأم بالتوقيع على الوثائق الرسمية التي تستلزم توقيع ولي الأمر، على سبيل المثال: طلب جواز السفر، التسجيل و النقل في المدارس، والسماح بأجراء عملية جراحية. و بدلا من النظر إلى هذه المسائل بصفتها مواضيع متعلقة بالحضانة، ركزنا عليها كقضايا هجرة وتعليم وصحة، وهي كلها مسائل تقع تحت الصلاحيات الفدرالية لا صلاحيات الولايات. وقمنا بحملة ضغط على الحكومة لإصدار قرار سياسي لتعديل النص الذي يقول أن جمع الوثائق يجب أن يوقع عليها ولي الأمر لتصبح"يوقع عليها الأب، الأم، أو ولي الأمر".

وهكذا تتمكن الأمهات المسلمات من الاستفادة من التعديل في القانون المدني.

الحملة الضاغطة الشديدة التي قامت بها المجموعات النسائية والدعم الإعلامي نجح في النهاية إلى دفع الحكومة لإصدار أمر إداري لتعديل الوثائق الرسمية لتمكين الأمهات المسلمات من التوقيع على الوثائق المتعلقة بأطفالهم.

قضايا تظهر:

في الوقت الذي تعترف فيه الحكومة الماليزية (على الأقل في مستوى القيادة) بالمساواة بين الرجال والنساء وتقوم بالتجاوب مع نداءات المجموعات النسوية لتعديل كل القوانين التي تميز ضد النساء، فان اذرع أخرى من نفس الحكومة لا تتشارك في هذه النظرة بسبب إيمانها أن الإسلام يعطي الرجال والنساء حقوقا مختلفة وان إعطاء النساء المسلمات حقوقا متساوية هو خرق لتعاليم الإسلام.

ضمن نطاق الدول المتعددة الأديان ذات الأنظمة القانونية المتوازية ، فإن التعديلات القانونية الرامية الى إنهاء التمييز ضد النساء كثيراً ما تترك النساء المسلمات خارج مثل هذه التعديلات في القضايا التي تدخل ضمن الشريعة.

التعديل الأخير على المادة 8 من الدستور الفدرالي لمنع التمييز على أساس الجنس يشكل تحدياّ خاصاً للمحكمة الشرعية والسلطات الدينية الإسلامية في ماليزيا لأخذ خطوات تعنى بإنهاء جميع أشكال التمييز ضد النساء المسلمات في القانون وفي الممارسة التي ترتكب باسم الإسلام .

إن الحق بالمساواة أمام القانون والحصول على الحماية المتساوية من القانون والآن الحق بعدم التمييز على أساس الجنس هي ضمانة دستورية يتمتع بها كل الماليزيين سواء كانوا مسلمين أو غير مسلمين. هذه هي الملاحظة التي ترسلها المجموعات النسائية الى السياسيين والسلطات التشريعية.

نحن نعتقد أنه لا يوجد أي شيء في هذه المواد الدستورية يتعارض مع الإسلام وهو دين يعلي من شأن مبادىء المساواة والعدالة للجميع.

2- الحدود الدستورية على صلاحيات الشريعة:

في مجتمع يستعمل فيه الإسلام كايديولوجيا سياسية لكسب القوة أو البقاء في السلطة وحيث يستعمل الإسلام كمصدر للقانون والسياسات العامة، يكون للقرار حول موقع الإسلام في الدستور حاسماً. وبينما تقوم الأحزاب السياسية الماليزية بالدخول في معركة لكسب بنك الأصوات المسلم، فقد خرج نقاش كبير حول الحدود الدستورية على صلاحيات الشريعة.

قانون الحدود

إن اكبر اختبار أمام المحكمة الدستورية في ماليزيا هو مجال التشريع الجنائي . متى تكون الجريمة مسألة فيدرالية ومتى تكون مسألة دينية وبالتالي خاضعة لتشريعات الولايات؟ في خضمّ معركته لإقامة دولة أسلامية ولإثبات أنه أكثر إسلاما من الحكومة الفيدرالية فقد تبنى الحزب الإسلامي (عندما كان في السلطة في حكومتين من حكومات الولايات) قانون الحدود الذي ينص على عقوبات الشريعة للسرقة والزنى والاتهام الكاذب والردّة و شرب الكحول. هذه الولايات تدعي أنها تمارس هذه الصلاحيات على أساس ان الدستور الفيدرالي يضع في يد الولايات تحت البند 9/2/1 " معاقبة الجرائم المرتكبة من قبل أشخاص يعتنقون الإسلام ضد تعاليم ذلك الدين" حيث تفسر تعاليم الإسلام بعمومية شديدة لجعلها تتضمن أي قضية يمكن ان تنظمها التعاليم الإسلامية .

ولكن البند الدستوري يستمر في القول " فيما عدى الأمور الموجودة في القانون الفيدرالي". القانون الجنائي والإجراءات المتعلقة به متضمنة في القانون الفيدرالي وعليه فإنها تقع خارج الأهلية التشريعية للولايات. كذلك فإن صلاحيات المحاكم الشرعية ليست فطرية ولكن يجب ان يصادق عليها القانون الفيدرالي. إن قانون المحاكم الشرعية لعام 1965 يضع حدوداً على مدد السجن والغرامات التي يمكن أن تفرضها المحاكم الشرعية : 3 سنوات سجن، 5000 دولار غرامة و 6 جلدات. أي عقوبات غير هذه هي غير دستورية.

النقاش الدستوري:

ورغم أن الدستور ينص على أن الإسلام هو دين الاتحاد، فهو لا ينص صراحة على ان ماليزيا هي دولة إسلامية او ان قانون البلاد يجب ان يستند الى القرآن والسنة. ولا ينص صراحة على ان ماليزيا هي دولة علمانية. ان دستور ماليزيا "الخليط " خدمها بشكل جيد الى ان سيطر الإسلام السياسي على الساحة. ان دعاة مشروع الدولة الإسلامية يدفعون باتجاه سيادة الإسلام والقانون الإسلامي بناء على الموقع الخاص الذي أعطاه الدستور الاتحادي للإسلام .

لكن الدستوريين يوضحون ان الدليل التاريخي يثبت ان واضعي دستور الاستقلال قد قصدوا ان تكون ماليزيا علمانية وأن هدفهم من جعل الإسلام الدين الرسمي للاتحاد كان فقط لأسباب شعائرية. قانون القضايا لعام 1988 ينص بأنه على الرغم من أن الإسلام هو دين الاتحاد فهو ليس القانون الأساسي للبلاد و الفقرة 3 لا تضع أي حدود على صلاحيات البرلمان التشريعية .

هكذا وحتى لو ظهر ان الدستور واضح حول حدود صلاحيات الشريعة، فإن الأحزاب الإسلامية المصممة على الدفع من أجل دولة وقانون إسلاميين سوف تختبر حدود الدستور. ولأن السياسيين والقضاة خائفون من التعامل مع هذا الأمر خوفاً من اتهامهم بالعداء للإسلام فإن الإسلاميين يستطيعون التأكيد على أجنداتهم بينما أولئك المعارضون يجبرون على رد الفعل وفي هذا السياق يصورون على إنهم ضد الإسلام وضد الشريعة وإنهم يخالفون كلام الله .

مراجع:

1. Shad Saleem Faruqi, “The Malaysian Constitution, the Islamic State and Hudud Laws” in Islam in Southeast Asia: Political, Social and Strategic Challenges for the 21st Century, K.S. Nathan and Mohammad Hashim Kamali (eds). Singapore: Institute of Southeast Asian Studies, 2005-09-14

2. Mohammad Hashim Kamali, Islamic Law in Malaysia: Issues and Developments. Kuala Lumpur: Ilmiah Publishers, 2000.