قانون القبيلة يلاحق النساء و " العار" في شمال العراق

المصدر: 
الحياة
كتبت لينا سياوش, أربيل: هن نساء لم يرتكبن ذنباً أو جنحة... لكنهن اضطررن لسجن أنفسهن قبل أن تثور عليهن "عادات القبيلة" وتطبق بحقهن قوانينها القاسية... دار "خانزاد" عبارة عن مؤسسة في اربيل تؤوي نساء لم يجدن خارج أسوارها ما يساعدهن في الاحتفاظ بكرامتهن مصانة فلجأن إلى هذه "الدار" هرباً من عنف المجتمع
تقول مديرة الدار أفين رشيد إنّ فكرة إنشاء دار للنساء المُعنفات وأولئك المعرّضات له جاءت بعدما عقدت ناشطات في مجال حقوق الإنسان والمنظمات النسوية ومنظمات المجتمع المدني اجتماعاً خاصاً في هذا المجال كانت نتيجته إنشاء "دار خانزاد" الذي تأسس بدعم من منظمة "وادي" الألمانية. وتضيف: "يهتم الدار بكل النساء اللواتي تعرضن لمختلف أشكال العنف".

وتقسم أفين النساء الى قسمين، فمنهن من يبقين داخل الدار ملتزمات بقوانينه الادارية والبعض الآخر يقمن بشرح حالة العنف التي تعرضن لها ويبقين في منازلهن لتقوم إدارة الدار بمتابعتهن.

هناك نوعان من القضايا التي يهتم بها «دار خانزاد» لحماية النساء من العنف. الأولى حالة اجتماعية تأتي فيها المرأة التي تعرضت للعنف العائلي أو الاجتماعي، بكل ما يسبّبه هذا العنف من مشكلات جسدية أو نفسية، والحالة الثانية ترسلها المحكمة بكتاب رسمي. وتستشهد المديرة بحالة فتاة حامل أتت الى الدار وكانت حملت بعدما اغتصبها أخوها. ولدى اكتشاف المحكمة بأن الفتاة لم تكن في وضع عقلي سليم، أرسلتها الى الدار.

وبحسب الاحصاءات التي قدمتها رشيد، فإن نسبة الحالات التي راجعت المنزل وتعاني مشكلات عائلية بلغت 66.66 في المئة العام 2005 مقابل نسبة 29 في المئة العام 2004 بينما بلغت نسبة الحالات التي انتهت الى الطلاق 10 في المئة العام 2005 مقابل 19 في المئة العام 2004.

وتؤكد أفين رشيد أنّ كل امرأة (حالة) تستقبلها باحثة اجتماعية لمعرفة مشكلتها بالتفصيل، بعدها تقوم "لجنة حلّ المشكلات" بدرس الحالة وتحديد نوعها وسبل معالجتها. وخلال اقامة المرأة في الدار، يمنع عليها اجراء أي مكالمة هاتفية، الا أنّها تستطيع مغادرته متى أرادت ذلك، لأنّه "لا يمكننا اجبار أي امراة على البقاء، فهي حرة في المغادرة متى شاءت. لكننا نحاول قدر الامكان اقناعها بضرورة ايجاد حل لمشكلاتها، والقسم الأكبر منهن يقتنعن بذلك"، بحسب ما تقول رشيد.

إلا أنّ الأمور لا تجرى بهذه السهولة في الدار. فهناك الكثير من الصعوبات التي تواجهها العاملات في الدار من حيث صعوبة تقبل المجتمع لفكرة عملهن: "في البداية، اضطررنا لجعل عملنا في الدار سرياً لأننا كنا نواجه صعوبات وتحديات خطيرة من كثيرين لم يستوعبوا فكرة العمل في الدار. فانطلاقاً من مفاهيمهم البسيطة، اعتقدوا بأننا نحرض الفتيات على عمل الخطأ وليس على رعايتهن حتى زوال الخطر عنهن".

وتسرد أفين رشيد قصة تعرضت لها: "جاءتنا في العام الماضي فتاة طلبت حمايتها من عائلتها. فأجرينا الإجراءات اللازمة لدخولها الدار واتصلنا بذويها لتطمينهم عليها. إلاّ أننا فوجئنا في اليوم التالي بوقوف خمس سيارات يركبها رجال مسلحون، سبعة منهم كانوا أشقاء الفتاة. ثم نزل والدها وبدأ بالتهديد بقتلي وقتل ابنته. والغريب أن والدة الفتاة كانت مصرة أكثر من زوجها وأبنائها على قتل ابنتها ناعتة اياها بأنها عار على العائلة». وتتابع: «عملنا محفوف بالمخاطر. مثلاً، عندما أزور منزل احدى النساء المعنفات للتحدّث مع عائلتها وفي حال كان المنزل واقعاً في منطقة ريفية، فيمكن ببساطة أن أموت برصاصة متعمدة تساهم في الحفاظ على شرف عائلة الفتاة. إذ يصعب على الكثير من العائلات، ليس في كردستان وحدها بل في عموم البلد والمنطقة، تفهم الأسباب الاجتماعية والنفسية التي تؤدي بالفتاة إلى ارتكاب ما يخالف قوانين العائلة. فالمرأة ما زالت في نظر الكثيرين صمام أمان شرف العائلة".

وعلى رغم أنّ البرلمان الكردستاني عدّل القوانين المتعلّقة بجرائم الشرف معتبراً قتل النساء لأسباب «أخلاقية» جرائم متعمدة يعاقب عليها القانون، تمرّ الكثير من هذه الحالات من دون أن تسجل في مراكز الشرطة او السجلات الخاصة، ربما لاعتقاد الكثيرين بأنها تتعلق بقوانين المجتمعات القبلية وليس للدولة الحق فيها.

تحلم النساء الساكنات في "دار خانزاد" بحياة طبيعية، يستطعن فيها الاعتماد على أنفسهن اقتصادياً وتلبية حاجاتهن. الا أنّهن يجدن صعوبة في تحقيق هذا الأمر، خصوصاً أنّ عائلاتهن والمجتمع برمّته ضدّهن.

لمياء (28) عاماً أم لطفلين: مريم (5 سنوات) وقيس (6 سنوات). جاءت من بغداد، بعدما تركها زوجها متخلياً عن مسؤولياته تجاه عائلته. تقول: "تزوجت في العشرين من عمري وبدأت مشكلاتي مع عائلة زوجي لدى ولادة مريم. ولهذا السبب انتقلنا الى أربيل، لكنهم لحقوا بنا ايضاً وأثروا في زوجي الذي تركنا ومضى من دون أن نعرف أو نسمع عنه شيئاً".

لم توفق لمياء في الحصول على شهادة دراسية تمكنها من ايجاد فرصة عمل مناسبة تستطيع من خلالها تأمين مستقبل طفليها. وما زاد الطين بلّة أنّها لا تملك مستندات رسمية لطفليها أو أوراق طلاقها. وبالتالي، لا يستطيع طفلاها دخول المدرسة وينظران الى هذا الأمر على أنّه حلم صعب المنال.

الحالات كثيرة ومتنوعة على رغم اختلاف تفاصيلها، لكنها تصبّ في قضية واحدة، وهي أنّ قوانين القبيلة ما زالت تتحكم بكثيرين، وأن الانسلاخ منها يتطلب ولادة ثانية.