فلسطين: التضامن الدولي، والعودة إلى المربع الأول: رسالة "يا وحدنا" من البرتغال

المصدر: 
مفتاح
بقلم: د. فيحاء عبد الهادي

وصلتني صرخة "يا وحدنا"، من الصديقة رندة النابلسي، المفوض العام لفلسطين في البرتغال. ولأهمية رسالتها، النابعة من تجربتها السياسية المريرة، بعد استلامها عملها في البرتغال؛ ولأنها تطرح العودة إلى المربع الأول في موضوع التضامن الدولي، وتعلي صوتها بأسئلة الواقع الصعب، وتدعونا لنقاش أكثر عمقاً؛ أنشر الرسالة، مع بعض الاختصار:
صديقتي فيحاء"،

تابعت مقالاتك الأخيرة بحزن، حيث رأيتنا نرجع إلى بدايات حشد الدعم والتأييد، بعد كل هذه السنوات وهذه التضحيات، رغم أن العالم أجمع ضد مبدأ الاحتلال، وأن أربعين عاماً من الاحتلال أكثر من كثير. أسترجع سنوات عملي في الدائرة السياسية منذ عام 1975، وكيف كانت الحطّة الفلسطينية ترمز لكل أحرار العالم. لست هنا لأبكي على الأطلال، لكني أود أن أشير إلى أن الوضع في أوروبا في غاية القتامة، وإن تفاوت هذا من بلد إلى آخر. حضرت إلى البرتغال مُشْهِرةً سيفي، مشيدة بالتجربة الديمقراطية الفلسطينية التي نفخر بها، ونريد أن نبني عليها مطالبة العالم بعدم معاقبة الشعب الفلسطيني على خياره الديمقراطي، وأن هذا السلوك المتسرع من أوروبا، هو عقاب جماعي للشعب، وأن الديمقراطية لا تتجزأ، وأننا والعالم قبلنا حكومة الليكود يوماً، باعتبارها خيار الشعب الإسرائيلي، وهي الأكثر تطرفاً، وأن المماطلة الإسرائيلية في تنفيذ استحقاقات السلام هي العائق الأساسي، وأنها المرة الأولى التي يعاقب فيها شعب تحت الاحتلال، بدل معاقبة محتليه. أدركت أوروبا أن قرارها بقطع المساعدات كان متسرعاً؛ ولكنها أيضاً ارتأت صوراً أخرى للدعم، لا تنهي الحصار، ولا التجويع.

وكان الاعتداء الوحشي على غزة، عشية توقيع وثيقة الوفاق الوطني بالأحرف الأولى، دليلاً صارخاً على أن إسرائيل لا تريد السلام، ولا تريد الوفاق الوطني الفلسطيني، ولا تريد للعالم أن يجد حجة يخرج فيها حماس من "دائرة الإرهاب"؛ لأن ذلك سيجبرها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، بدلاً من الانسحاب من جانب واحد. ومع تفهم الرأي العام لهذا الاحتمال؛ إلا أنه لا يريد التعامل مع حكومة من حماس ونقطة. الرأي العام معبأ ضد الحكومة الفلسطينية، وحتى ضد الشعب الفلسطيني، بصورة لم يسبق لها مثيل. أخبار القمع والقتل والتدمير والاعتقالات تأخذ "إن وردت" حيزا صغيراً وهامشياً في الصحافة، وتصبح أرقاماً عادية، مرفقة دائماً بأن صواريخ القسام تطلق من غزة على المدنيين الإسرائيليين المسالمين!

تخرج أحيانا بعض الأصوات المعارضة على خجل، تدافع عن الفلسطينيين من ناحية إنسانية، لا سياسية. ومع الجهد الجبار الذي يبذلهُ طاقم السفارة وأنا، للرد على الادعاءات، وعلى هذا الظلم والكيل بمكيالين؛ يبقى السائد محيراً من رأي عام في دولة صديقة، كانت دوماً إلى جانب فلسطين والحق الفلسطيني. أنا أتحدث هنا عن جانب كبير من الرأي العام الشعبي؛ وليس الرسمي. هذا التدهور في التأييد تجلى عندما قامت السفارة، بحملة لجمع أدوية للسرطان وغسيل الكلى، مع شرح واف لما يعانيه أهلنا ومستشفياتنا، من جراء العدوان الإسرائيلي: هل يتصور أحد أن المساعدة التي تلقيناها، من بعض مصانع الأدوية، كانت مشروطة بألا ترسل إلى وزارة الصحة؛ بل إلى الهلال الأحمر أو المستشفيات مباشرة؟ أخبار التهديدات الأمريكية للبنوك العربية، أخافت شركات الأدوية من أن تتهم بمساندة الإرهاب! هل يعقل في أوروبا، بلاد الحريات والديمقراطية، أن يرد على اعتقال نواب ووزراء منتخبين بهذه البيانات الخجولة، من البرلمانات المختلفة، التي لم تهمل الإشارة إلى قضية الجندي المختطف، وكأنها لب الموضوع؟

ثم هل فكر البرلمانيون العرب بتعليق الحياة البرلمانية العربية مثلاً، حتى الإفراج عن نواب الشعب الفلسطيني المنتخبين؟! هل شعر العالم بمعاناتنا تحت القصف والتجويع والاعتقال لمدة أشهر؟ وإن شعر؛ ما الذي فعله؟ هل يمكن مقارنة الاهتمام العالمي، بضربة رأس زين الدين زيدان، وخروجه من المونديال، بنواح هدى غالية على شاطئ غزة، تبكي أهلها وتبكي الضمير العالمي، في هذا الزمن الرديء؟!

تعدلت صورة التضامن في أوروبا، فقط بعد عدوان إسرائيل الشرس على لبنان، وصمود المقاومة اللبنانية الباسل. وبقدر ما عزّزت الحرب فكرة المقاومة ضد الاحتلال، وبسالة المحاربين لأجل العدالة، بقدر ما عرَّت المقاومة الفلسطينية، وتجاهلت صمود الشعب الفلسطيني البطل.

سفاراتنا في الخارج، تملك مثلنا تصوراً لحشد الدعم والتأييد، والتوجه إلى الحكومة والأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني والصحافة، ونحن نملك إجابات مقنعة وقوية لكل الأسئلة والاتهامات التي توجه إلينا. ومع ضيق ذات اليد، وضآلة الإمكانيات، التي تكاد تكون معدومة في البرتغال؛ نحن نحفر في الصخر: فمن إنشاء لجنة صداقة برتغالية فلسطينية، تضم 72 اسماً مرموقاً من السياسيين والمثقفين، شكلت منذ أكثر من شهرين، إلى المشاركة في أكثر من برنامج تلفزيوني ومقابلات صحفية شبه أسبوعية؛ لكن هذا لا يكفي. العمل الجاد يحتاج إلى إمكانيات، يحتاج إلى متابعة وخطة ومعرفة بآفاق التوجه الفلسطيني. لا يكفي أن نشحذ التعاطف والتأييد، وندفع عن شعبنا تهمة الإرهاب، وهي الكلمة الأكثر شعبية منذ 11 سبتمبر.

ومع كل الإحباطات التي نبدأ بها صباحنا؛ يأتي أحياناً مقال صغير في جريدة برتغالية يرفض فيه برفيسور برتغالي معروف، المشاركة في مؤتمر علمي بجامعة تل أبيب، احتجاجاً على مذابح إسرائيل لأطفال غزة، فيعيد إلينا الحماسة والثقة، بأن العالم مازال فيه من تعنيه العدالة والحرية، وقد يرسل إلينا طفل صغير مدخراته القليلة، لنرسلها إلى أطفال فلسطين! هذا الطفل ليس خائفاً من أن يوصم بأنه ضد السامية، أو بأنه يساند الإرهاب. قضيتنا في مجملها في خطر. حقوق شعبنا المشروعة ونضالاته ومعاناته، في مرحلة مفصلية. أصدقاؤنا التاريخيون يعيدون النظر في كيفية التعامل مع قضيتنا. العالم يسير بسياسة (ONE MAN SHOW). الولايات المتحدة تتحكم فيه شرقاً وغرباً، بجبروت بلا رادع، وأوروبا سلبية وحجتها القرار الأوروبي الموحد. ردود أفعال العالم العربي بعد كل هذه المذابح والصمود، وحتى الشعبية منها، أقل مما يرتجى منه، ونحن "يا وحدنا"، ليست هذه دعوة للاستسلام بل لاستفزاز الهمم. "

رندة النابلسي, المفوض العام لفلسطين في البرتغال