شاركن في تحمّل المأساة ودفعن الثمن ... كيف عاشت الخادمات الآسيويات أهوال الحرب في لبنان؟

المصدر: 
أمان
بقلم: بيار شلهوب

الحرب الأخيرة التي عصفت بلبنان من جنوبه الى بقاعه فعاصمته ضاعف من أهوالها النقل التلفزيوني المباشر الذي سمّر المواطنين امام الشاشات، يتابعون الأحداث لحظة بلحظة، فصولُها التي كانت تتوالى مخلّفة موتى كثيرين، خراباً سوّى البيوت والمنشآت بالتراب.
هذه الحرب تركت في ضمير المواطن ووجدانه ندوباً عميقة، لن يُكتب لها ان تندمل بالسرعة المتوقعة، ولا تزال القصص والمرويات التي أطلقتها المآسي، تشتد حبكتها وهي تتناقل اخبار الحرب عن ألسنة العامة وشهود الأمكنة التي استباحتها الغارات والقنابل العنقودية.

ليس اللبنانيون وحدهم ابطال هذه التراجيديا فثمة مقيمون ايضاً امسوا مع الوقت انداداً للبنانيين، أكانوا عرباً أم أجانب على اختلاف مقاصدهم وغاياتهم. هؤلاء خبروا الحرب بأهوالها وبشاعتها، وكانت لهم قصصهم ومروياتهم المؤلمة والمؤثرة، ويستطيع متتبع الأحداث ان يقتنص بعضاً منها واقفاً على معاناة هؤلاء الذين لا حول ولا قوة لهم، فحسبهم انهم موجودون في لبنان، يدفعهم هاجس البحث عن لقمة العيش بعد ان عزّت عليهم في بلادهم، ضاقت السبل بهم فكان لبنان ساحتهم. فيليبينيات وسريلانكيات وإثيوبيات وفدن الى مكاتب الاستخدام وتوزّعن على البيوت حتى بتن ظاهرة اجتماعية وإنسانية.

كيف عاشت الخادمات الحرب؟ هل استطعن الصمود ومداراة حضورهن؟ أحفظن الأمانة وتحمّلن مشقة البقاء والقيام بواجباتهن المنزلية بما فيها رعاية الصغار وحضانتهن وفقاً لما تسمح به ظروف الحرب؟

اسئلة عدة، لا جواب واحداً عليها، فهناك قلة منهن آثرت البقاء ولم تلجأ للهرب، أو ان المعارك المباغتة والقصف المتنقل الذي قطع جسور التواصل بين القوى حال دون خروجهن من لبنان، وفدن مهجرات مع العائلات التي ارتبطن بها بعقود عمل، في المدارس وغيرها بانتظار ان تضع الحرب أوزارها.

بعضهن قضى مع مستخدميهم تحت الأنقاض، كما حدث لإحداهن في عين بعال في قضاء صور، أو لاقين ميتة مؤسفة كتلك التي تاهت على وجهها فباغتها الليل فاحتمت تحت احد جسور «الغازية» الى الجنوب من صيدا، لتلاقي حتفها في احدى الغارات التي استهدفت الجسر الذي يربط صيدا بالجنوب.

أخريات لم يطقن انتظار السبل القانونية ليتحررن من كل عقد والتزام وواجب، فتهن على وجوههن، طارقات أبواب سفاراتهن إن أسعفتهن الطرق ولم تحل الغارات والجسور المهدمة دون وصولهن، أو لاجئات عند معارف لهن من أقارب وأنسباء وممن يتقاسمن معهن المواطنة والجنسية. ابتكرن هروبهن يدفعهن خوف من الحرب التي أتت على القرى والمدن بقاطنيها، ببيوتها وأهلها وطرقاتها وجسورها، وحول ذلك حيكت قصص كثيرة أمكن تعقّب مجرياتها نقلاً عن ألسنة الناس او من خلال المعلومات التي توافرت لدى مكاتب الاستخدام في صيدا والجنوب.

مصطفى حجازي مدير احد مكاتب الاستخدام في صيدا قال انه تلقى عشرات الاتصالات التي أفادت عن هروب مستخدمات كن قد انتقلن للعمل عبر مكتبه في عدد من بيوت صيدا ومنطقتها، علماً انها كانت بعيدة عن مرمى النيران الإسرائيلية ولم تتعرض للقصف إلا في نقاط جغرافية محددة ومعروفة. وإذ لم ينف ان يكون هروبهن دافعه الأساسي الخوف، فإنه اعاد ذلك الى ما جاهرن به وتبادلنه علناً وفي السر حول إمكان شمولهن بمساعدة مادية تبلغ قيمتها 2000 دولار اميركي اسوة بما حظيت به اترابهن عندما بلغن أعتاب سفارات بلادهن في بلاد الرافدين عند اندلاع الحرب التي شنتها الولايات المتحدة على العراق.

وفي اتصال اجريناه مع إحدى المؤسسات الأهلية العاملة في صيدا، أُفدنا ان إرشادات وتعليمات زُودت بها المؤسسة وتقضي بتسهيل سُبل ترحيل الآسيويات العاملات في الجنوب وتحديداً في المناطق الحدودية المتاخمة للشريط المحاذي لإسرائيل. وهذا ما ضاعف من أعداد الهاربات منهن، وانسحب الأمر على مناطق بعيدة عن أماكن القصف في المتن وكسروان وبلاد جبيل، وقد شاب هروبهن جانب من الحيلة والتسرع أحياناً رغبة في النجاة.

تنقل سعاد التي تقطن في بلدة «مستيتة» في قضاء جبيل الواقعة الى الشمال من بيروت عن جارة لها افتقدت خادمتها عند الصباح وبخروجها الى الشرفة لاستطلاع الخبر فوجئت بها جثة هامدة ممددة على الطريق وليتبين لاحقاً انها استعانت بأثواب وملاءات ومناشف، ربطتها من أطراف بعضها، حتى شارف طولها علو طابقين. ثبتت أحد طرفي هذا الحبل الذي ابتكرته في الدرابزون الحديد واستعانت به للنزول، فانقطع بها وهوت ميتة على الأرض. هذه الحيلة تكررت في أكثر من منطقة، لكن لم يُبلغ عن نتائج مأسوية مماثلة، يُذكر ان كثيرات ممن آثرن الهرب تعمّدن ألا يأخذن معهن شيئاً، حتى لا يُتهمن بالسرقة والاحتيال، حتى انهن أبقين على حاجاتهن ولم يأخذن معهن إلا ما خف حمله.

حالات فرار عدة سُجلت في أكثر من منطقة، بينهن من تركن بيوت مخدوميهن بعد طلب الإذن فاستجيب لطلبهن رأفة أو استجابة لنداء انساني.

الخوف من الحرب لم ينسحب على اللواتي كنّ في الأماكن التي استهدفتها الغارات والانزالات وكانت مسرحاً للعمليات العسكرية، فثمة مناطق بعيدة عن جبهات الحرب عاشت المخدومات فيها حياة توتر ورعب شديدين، فعشن حالات الريبة والتوجس، زادتها احتداماً الاتصالات الهاتفية التي كنّ يتلقينها من أهلهن يحرضوهن فيها على ترك لبنان بالالتجاء الى السفارات والاحتماء فيها باحتراز أولي قبل أن يتم تسفيرهن الى بلادهن، أسوة برعايا الدول الأوروبية وغيرها، التي كن ينظرن اليهم بحسد وهم يلقون الحماية والرعاية وتؤمن البواخر لهم لتنقلهم الى بلادهم محاطين بتسهيلات اجتماعية ومادية. فيما هُن متروكات للقدر ولمصائرهن المجهولة.

عن الحياة