الصعوبات التي تعترض نشر الوعي حول قضايا العنف المنزلي

المصدر: 
نساء سورية
بقلم بسام القاضي

إجمالاً، يمكن القول أن هناك ثلاثة فئات رئيسية من الصعوبات تعترض نشر الوعي بواقع وأخطار العنف المنزلي، خاصة الممارس منه على المرأة. وترتيبها هنا ليس بالأهم. فهي جوانب متوازية ومتفاعلة في تأثيرها، ولا يمكن فصلها بعضها عن بعض إلا لغرض الدراسة.
أولاً:

فهم شعبي سائد للدين (ونقصد هنا الدينين الإسلامي والمسيحي، بجميع طوائفهما) مبني على أن العنف المنزلي، لأغراض العقوبة والتأديب والإصلاح وغير ذلك من المسميات، هو ممارسة موافقة للتعاليم الدينية، وتنسجم معها روحاً ونصاً.

وإذا كان هذا الفهم هو بحد ذاته موضوعاً لنشر الوعي، فإن معارضة بعض رجال الدين، خاصة الذين هم على تماس مباشر مع الناس، ومسارعتهم إلى استخدام سلطتهم المعنوية الدينية لمواجهة نشر الوعي بواقع وأخطار العنف المنزلي، تشكل عقبة غاية في الأهمية. فبينما يحتاج العمل على نشر الوعي حول قضايا العنف المنزلي إلى خطاب عقلاني على أساس المواطنة والحقوق، وعلى أساس المصلحة الإنسانية العليا التي تشكل أيضا جوهر الأديان، يلجأ البعض إلى الخطاب العاطفي المشحون والبعيد عن نقاش أو معالجة المسألة، معززاً بمسحة من الاحترام العالي الذي يكنه الناس عموماً لرجال الدين. ولا يندر أن يؤيد بعض هؤلاء العنف المنزلي علانية وصراحة على أنه حق للرجل إذا رأى أنه بحاجة ممارسته لفرض وجهة نظره.

ولا نغفل أن الكثير أيضاً من رجال الدين يعتقدون، ويصرحون بما يعتقدون به، أنه لا يمكن للدين أن يناصر العنف تحت أي مسمى. إلا أنهم غالباً ما يواجهون هم أنفسهم الصعوبات التي نشير إليها هنا.

ثانياً:

باعتبار أن نشر التوعية بواقع ومخاطر العنف المنزلي هو مهمة المجتمع المدني أولاً، أي المنظمات والمؤسسات والجمعيات والمراكز غير الحكومية، فإن لقانون الجمعيات المعمول به حالياً، ولتعليماته التنفيذية، دورا حاسماً في كبح هذا المجتمع عن القيام بدوره. فقانون الجمعيات يضم سلة كاملة من الصلاحيات التي تجعل من أية منظمة أو جمعية رهناً كلياً بإرادة الوزارة المعنية. وأهم هذه الصلاحيات أنه لا يمكن لأي من هذه الجهات أن تقوم بأي نشاط ما لم يحز مسبقاً على موافقات كثيرة، بعضها مرئي وأغلبها غير مرئي، تحتاج إلى الدخول في متاهات كثيرة تخضع غالباً لمزاجية ورأي المعني، وتمتد على زمن طويل.

ومن ذلك أيضاً أن هذه الجمعيات والمنظمات تحتاج إلى إمكانيات مالية حقيقية ليمكنها القيام بمثل هذا العمل الصعب، والقانون ذاته يحرمها من أية إمكانية لتأمين ملاءة مالية ملائمة.

ثالثاً:

وسائل توعية (بمعناها العام، أي التلفاز والإذاعة والصحف والمجلات والنشرات الخاصة والكتب، ومؤخرا الانترنت..) تخضع غالباً لخوف مبهم وعميق من الخوض في هذا الأمر. خوف مزودج بعضه نابع من معارضة بعض رجال الدين مثلما ذكرنا أعلاه، وبعضه نابع من قانون المطبوعات، سواء من حيث محظوراته المطاطة أو من حيث عقوباته، وجله نابع من أن القيمين على هذا الإعلام هم أنفسهم بحاجة إلى توعية علمية ومنهجية بقضايا العنف المنزلي، ,خاصة بكيفية معالجتها إعلامياً.

وتترافق مع هذه الفئات الثلاثة، وتتفاعل معها، جملة واسعة من الأسباب الأخرى، بضمنها اعتقاد غالبية من المسؤولين أن تأديب الزوجة والأخت والإبنة، وحتى الأم، هو حق للرجال لا يحده إلا مستوى التأديب، أي أن لا يصل إلى الإيذاء البدني الشديد. وبضمنها التمييز الواقع في المؤسسات سواء من حيث تولي المناصب، أو من حيث تركيز العمل النسائي في مجالات بعينها (كالتمريض والتعليم الأساسي والأعمال الإدارية..)، وبضمنها انتشار ثقافة العنف في مستويات عديدة، خاصة على المستوى السياسي في المنطقة برمتها. ولا ننسى اعتبارات باتت معروفة عموماً، كغياب ثقافة المواطنة والحقوق المتساوية من مناهج التعليم، وانحياز الكثير من المواد القانونية في قانوني الأحوال الشخصية والعقوبات لصالح الرجل، والفقر والأمية خاصة في الأرياف، وتواطؤ المسؤولين، في المؤسسات المعنية مباشرة بمواجه هذا العنف، مع الثقافة السائدة المؤيدة له.

"ورقة مقدمة في ندوة خبراء بعنوان: أسس البحث العلمي لظاهرة العنف"، تقيمها جامعة دمشق- قسم الطب الشرعي، بالتعاون مع معهد الطب الشرعي، جامعة هامبورغ- ألمانيا.