المشاركة السياسية للمرأة من خلال المواثيق العربية والإسلامية

المصدر: 
نساء سورية
الدكتور جورج جبور

بحث مقدم ضمن إطار "مشروع دعم القدرة المؤسساتية لمجلس الشعب في سورية"، بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة لتطوير المرأة. يتناول المشاركة السياسية للمرأة من خلال المواثيق العربية والإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان، ومن خلال الممارسة.
المحتويات:

أولاً: مقدمات: أهمية البحث وهدفه وخطته.

ثانياً: صفحات من المشاركة السياسية للمرأة في تاريخ لعرب والمسلمين.

ثالثاً: المشاركة السياسية للمرأة من خلال المواثيق العربية والإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان ومن خلال الأدبيات ذات العلاقة.

رابعاً: المشاركة السياسية للمرأة في الدول العربية والإسلامية من خلال الممارسة: خلاصة عامة.

خامساً: ختاميات: نتائج واقتراحات.



أولاًً: مقدمة: أهمية البحث وهدفه وخططه:

من الهام جداً في محيط العرب والمسلمين، البحث في المشاركة السياسية للمراة، ولاسيما في هذه الفترة بالذات التي تشهد تصاعد ظاهرة المطالبات الشعبية بجميع أنواع الحقوق على صعيد العالم بأجمعه. ولاريب أن الظاهرة التي أشرت إلى تصاعدها إنما تعود في جزء كبير منها إلى تنامي الدور الذي تقوم به وسائل الإعلام وأدوات الاتصال المتنوعة.

والبحث في المشاركة السياسية للمرأة من خلال المواثيق العربية والإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان واحد من جملة بحوث ممكنة عن المشاركة السياسية للمرأة. ويتمتع من بين البحوث الأخرى بأهمية خاصة. تنبثق أهميته الخاصة من حقيقة أن المواثيق العربية والإسلامية إنما تجسد إجماعاً أو ما يقترب من الإجماع، أو هي على الأقل محاولة لبناء إجماع. ومن هنا فإن العناية بدراسة ما تتضمنه المواثيق العربية والإسلامية بشأن حقوق الإنسان، دراسة ما تتضمنه من بنود حول المشاركة السياسية للمرأة، إنما هي أمر مطلوب من أجل تحسين تلك المشاركة. وهي أمر مجد أيضاً من حيث أنه يجعل تقدم الدولة في هذا المجال جزءاً من تقدم الكل الذي هو محيط العرب والمسلمين، وليس تقدماً تنفرد به دولة معينة فتشعر وكأنها تجتاز حدوداً لم يتم اجتيازها من قبل شقيقات لها في محيطها .

أما الهدف العام للبحث فواضح. إنه محاولة تحسين المشاركة السياسية للمرأة من خلال تصعيد النصوص الخاصة بهذه المشاركة في المواثيق المشار إليها. ويلاحظ في هذا المجال أمر هام وهو أن هذه المواثيق ليست كثيرة، وليست موضع تداول واسع. ثم إن الهدف العام قد ينبثق عنه هدف خاص هو محاولة إصدار ميثاق بشأن المشاركة السياسية تتم المصادقة عليه من قبل الدول العربية والاسلامية. أو قد ينبثق عنه هدف خاص آخر هو محاولة إقناع الدول العربية والإسلامية بالمصادقة على الاتفاقية الخاصة بالمشاركة السياسية للمرأة، تلك الاتفاقية التي تبنتها الأمم المتحدة في 20/12/1952 والتي دخلت حيز التنفيذ في 7/7/1954. ومما يذكر أن ثمانية فقط من الدول العربية كانت قد صادقت على هذه الاتفاقية حتى تاريخ 31/12/1998. وثمة بالطبع هدف ثالث هو محاولة إقناع هذه الدول بالمصادقة على الاتفاقية الدولية للتمييز ضد المرأة (سيداو).

وخطة بحثنا تقليدية. ففي الجزء الثاني الذي يلي هذه المقدمة سوف نقدم صفحات من المشاركة السياسية للمرأة في تاريخ العرب والمسلمين، لننتقل في جزء ثالث إلى المشاركة السياسية للمرأة من خلال المواثيق ومن خلال بعض الأدبيات. أما الجزء الرابع فينظر في المشاركة السياسية للمرأة من خلال الممارسة. وأخيراً فثمة ختاميات تتجلى في نتائج واقتراحات.

ثانياً: صفحات من المشاركة السياسية للمرأة في تاريخ العرب والمسلمين:

عرف تاريخنا سيدات كان لهن إسهامهن المتميز في العمل السياسي. وقد تكون أول ملكة عرفها العالم هي الملكة بلقيس التي ورد ذكرها في الكتب المقدسة. كذلك كان ثمة إسهام سياسي للسيدة آسيا على نحو ما ورد في القرآن الكريم. وفي عصر ما قبل الإسلام اشتهرت زرقاء اليمامة ببعد النظر، وجهينة بالخبر اليقين، وحليمة بيوم حليمة. وكانت السيدة خديجة شريكة للنبي العربي (صلعم) في تحمل الأعباء الأولى للدعوة. وعرفت أم المؤمنين السيدة أم سلمه بموقفها الحكيم النصوح يوم عقد صلح الحديبية. أما أم المؤمنين السيدة عائشة فكان لها موقفها القيادي في الأيام التي تلت انتهاء ولاية الخليفة الراشدي الثالث. ولولا السيدة زينب الكبرى لكان من الممكن أن يتم نسيان كربلاء وما أنتجته. ويحفل كتاب تراجم سيدات بيت النبوة رضي الله عنهن للدكتورة عائشة عبدالرحمن، بنت الشاطئ، الكاتبة الاسلامية (بيروت، دار الكتاب العربي، لا تاريخ للنشر) يحفل بأخبار المشاركة السياسية التي كانت نصيب سيدات بيت النبوة.

أما الموضوع الذي عالجته لجنة الوزراء في مجلس أوروبا يوم 21/2/ 1990، والذي تمخض عن صدور التوصيه رقم /90/ الخاصة بمنع الجنسية Sexisme في اللغة، فقد تنبهت إليه قبل أربعة عشر قرناً السيدة أم عمارة الأنصارية حين جاءت "المسجد واعترضت أمام النبي (صلعم) بقولها: يا رسول الله ما أرى كل شيء إلا للرجال، وما أرى النساء يذكرن بشيء. فجاءت الآية الكريمة "إن المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات والقانتين والقانتات والصادقين والصادقات والصابرين والصابرات والخاشعين والخاشعات....أعد الله لهم مغفرة وأجراً عظيماً " " (عن د. محمد الحبش: المراة بين الشريعة والحياة، دمشق، دار التجديد، ط/3/ أيار 2002، ص. 29- 30، نقلاً عن الجامع لأحكام القرآن، للقرطبي ج/14/ تفسير سورة الأحزاب).

واستمرت المشاركة السياسية للمراة منذ أيام العرب والمسلمين الأولى عبرحقبات تاريخنا المتعاقبة وصولاً إلى يومنا هذا. وفي العقود الأخيرة شهدت البلاد الإسلامية تولي سيدات منصب رئاسة الوزارة، كما في باكستان وبنغلادش وتركيا. أما السيدات اللواتي تسنمن منصب الوزارة فعددهن أكبر من أن يحصى. أما السيدات المحاربات اللواتي يصنعن التاريخ بشجاعتهن في المواجهات المسلحة فكان آخر مثل لهن سيدات بيت حانون اللواتي تصدين للجنود الصهاينة أوائل شهر تشرين الثاني 2006.

ورغم هذه الانجازات مما يزال مطلوباً تحسين مستوى المشاركة السياسية للمراة لكي تكون أكثر مساواة للرجل في المجال السياسي.

ثالثاًً: المشاركة السياسية للمراة من خلال المواثيق العربية والإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان ومن خلال بعض الأدبيات ذات العلاقة:

يمكن اعتبارإعلان حقوق الانسان والمواطن الذي أصدرته الثورة الفرنسية عام 1789 أول وثيقة تقر المساواة بين الرجل والمرأة، رغم أنه لم يذكر إلا تعبير L'Homme ، وهي كلمة فرنسية تعني الرجل كما تعني الانسان. إلا أن ثائرة فرنسية هي أوليمب دو غوج De Gouges أبدت احتجاجها على الإعلان، معتبرة أنه يخص الرجال. وهكذا ففي 1791 قدمت إلى الجمعية التشريعية الفرنسية اقتراحاً بإعلان عن حقوق المرأة يتبنى بشكل واضح مبدأ المساواة بين الجنسين. لم ُيقر ألاقتراح. كما أن حظ الثائرة المنادية بالمساواة كان الاعدام بالمقصلة (جبور، العرب وحقوق الانسان، دار المعرفة، 1990، ص./42/).

ومما يتصل بما سبق أن ثمة كتاباً بالفرنسية يميلون إلى استعمال تعبير droit humain ابتعاداً منهم عن التعبير الكلاسيكي droit de L''homme الذي يتعرض لشبهة اختصاصه بحقوق الرجل.

وفي عام 1945 صدر ميثاق الأمم المتحدة، كما صدر في عام 1948 الاعلان العالمي لحقوق الانسان. نصت هاتان الثيقتان الهامتان على المساواة بين المرأة والرجل. إلا أن أول اتفاقية بشأن منح المراة الحقوق السياسية إنما كانت تلك التي أقرّتها منظمة الدول الأمريكية في 2/5/1948 – أي قبل صدور الإعلان العالمي بأشهر- ودخلت حيز التنفيذ في 22/4/1949.

ومن المفيد أن نورد هنا نص هذه الاتفاقية التي هي الأولى من نوعها.

Article 1

1. The High Contracting Parties agree that the right to vote and to be elected to national office shall not be denied or abridged by reason of sex.

Article 2

The present Convention shall be open for signature by the American States.

ثم في 20/2/ 1952 تبنت الجمعية العامة للأمم المتحدة في دورتها السادسة القرار /640/ وبه اتفاقية حقوق المرأة السياسية. دخلت هذه الاتفاقية حيز التنفيذ في 7/7/1954 وقد اشرنا في ما سبق إلى أن /8/ دول عربية فقط قد صادقت على هذه الاتفاقية حتى تاريخ 31/12/1998. وتتألف هذه الاتفاقية من /11/ مادة، ثلاثة منها جوهرية وثمانية إجرائية . أما المواد الثلاث الجوهرية فهي الأولى في النص وقد ترجمتها كما يلي:

م /1/: للمرأة حق التصويت في الانتخابات على قدم المساواة مع الرجل دون أي تمييز

م /2/: المرأة مؤهلة لكي تنتخب إلى كل الأجهزة المنتخبة من قبل الجمهور التي ينشئها القانون الوطني، على قدم المساواة مع الرجل دون أي تمييز.

م /3/: للمرأة حق تولي المناصب العامة وممارسة كل الوظائف العامة التي ينشئها القانون الوطني على قدم المساواة مع الرجل دون أي تمييز.

هذه الاتفاقية تجاوزتها طبعاً الاتفاقات اللاحقة بشأن حقوق المرأة، ولاسيما منها "اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المراة" (سيداو) التي أقرتها الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1979 ودخلت حيز التنفيذ في عام 1981. والحق أننا نجد في الفقرتين /أ/ و/ب/ من المادة /7/ من الاتفاقية المشار إليها أعلاه، نجد فيها مجمل المواد الثلاث الأولى التي هي جوهر اتفاقية حقوق المرأة السياسية.

تلك كانت جولة في المواثيق الدولية لحقوق الانسان وما يختص منها بالمشاركة السياسية. فماذا عن المواثيق العربية والاسلامية؟

ليست لدي مجموعة كاملة من هذه المواثيق ، وهي ليست عديدة في كل حال. ثمة الميثاق العربي لحقوق الانسان الذي صدر عن مجلس جامعة الدول العربية في /15/9/ 1994 وهو وثيقة لم تدخل حيز التنفيذ. تنص المادة /2/ من الميثاق على تعهد: "كل دولة طرف في هذا الميثاق بأن تكفل لكل إنسان موجود على أراضيها وخاضع لسلطتها حق التمتع بكافة الحقوق والحريات الواردة فيه دون أي تمييز بسبب العنصر أو اللون او الجنس أو اللغة إلخ..."

وهكذا إذن، فالميثاق يرفض التمييز ضد المرأة. إلا أن ما يلاحظ في هذا الميثاق عدم إلحاحه على الحقوق السياسية. إنه يعالج هذا الموضوع الحساس باختصار وفي مواد متفرقة أهمها ثلاث:

"المادة /19/: الشعب مصدر السلطات، والأهلية السياسية حق لكل مواطن رشيد يمارسه طبقاً للقانون". ثم المادة /28/ الخاصة بحرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية، والمادة /29/ الخاصة بحق تشكيل النقابات والحق في الأضراب" "في الحدود التي ينص عليها القانون".

ضمن هذه الحدود التي وضعها الميثاق لنفسه، لاعجب إذا لم يتطرق بنص خاص إلى المشاركة السياسية للمرأة. وكما ذكرت سابقاً، لم يدخل الميثاق حيز التنفيذ إذ لم تصادق عليه أية دولة سوى العراق في عهد صدام. كما أن نواقصه ، في نظر خبراء حقوق الإنسان، كانت كبيرة على نحو ما بّّينته في كتابي: الميثاق العربي لحقوق الإنسان عرض وتحليل ونقد (بيروت، دار العلم للملايين، 1998).

وبسبب تعثر الميثاق ونواقصه، فقد ارتأى مجلس جامعة الدول العربية على المستوى الوزاري، يوم 4/3 2004، تحديث هذا الميثاق فأقر صيغة مبدئية جديدة هي حتماً أفضل من الصيغة السابقة. وكان لحقوق المراة نصيب في التحديث، أو هكذا يمكن أن ترى وجهة نظر لها وزنها. المادة الثالثة في التحديث استوعبت المادة الثانية في الميثاق القديم وجعلتها فقرة أولى. اما الفقرة الثالثة في ذات المادة فقد نصت على ما يلي:

"الرجل والمرأة متساويان في الكرامة الإنسانية، والحقوق والواجبات، في ظل التمييز الايجابي الذي أقرته الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية الأخرى والتشريعات والمواثيق النافذة لصالح المرأة. وتتعهد تبعاً لذلك كل دولة طرف باتخاذ كافة التدابير اللازمة لتأمين تكافؤ الفرص والمساواة الفعلية بين النساء والرجال في التمتع بجميع الحقوق الواردة في هذا الميثاق".

وفي قراءة هذا نص علينا الاهتمام بموضوع العلاقة بين الشريعة الإسلامية والشرائع السماوية من جهة وبين حقوق المرأة من جهة ثانية. كذلك علينا الاهتمام، وربما بالمقابل، بالإصرار على مبدأ المساواة الذي به تبتدئ المادة وبه تنتهي.

وكان للحقوق السياسية نصيب في التحديث أوسع مما كان عليه هذا النصيب في الميثاق. فبمقابل المادة /19/ المختصرة في الميثاق، والمادة /28/ ثمة في التحديث المادة /24/ التي تنص على ما يلي: "لكل مواطن الحق في:

1- حرية الممارسة السياسية.

2- المشاركة في إدارة الشؤون العامة إما مباشرة أو بواسطة ممثلين يختارون بحرية.

3- ترشيح نفسه او اختيار من يمثله بطريقة حرة ونزيهة وعلى قدم المساواة بين جميع المواطنين بحيث تضمن التعبير الحر عن إرادة المواطن.

4- أن تتاح له على قدم المساواة مع الجميع فرصة تقلد الوظائف العامة في بلده على أساس تكافؤ الفرص.

5- حرية تكوين الجمعيات مع الآخرين والانضمام إليها.

6- حرية الاجتماع وحرية التجمع بصورة سلمية.

7- لايجوز تقييد ممارسة هذه الحقوق بأي قيود غير القيود المفروضة طبقاً للقانون، والتي تقتضيها الضرورة في مجتمع يحترم الحريات وحقوق الإنسان، لصيانة الأمن الوطني أو النظام العام أو السلامة العامة أو الصحة العامة أو الآداب العامة أو لحماية حقوق الغير وحرياتهم".

وإلى جانب هذه المادة، ثمة المادة /35/ حول تكوين الجماعات أو النقابات المهنية وهي التي تقابل المادة /29/ في الميثاق.

بمقتضى مبدا المساواة بين الرجل والمرأة الذي تنص عليه المادة /3/ من التحديث، ثمة في المادة /24/ حقوق في المشاركة السياسية مفتوحة أمام المرأة بشكل واسع. وهذا فتح في مجال حقوق المرأة في المشاركة السياسية، فتح يجب أن يسجل. وبالطبع فإن التطبيق ليس سهلاً.

إذن، ففي نطاق عشر سنوات، بين الميثاق في عام /1994/ وبين تحديثه في عام /2004/، كان ثمة تقدم ملحوظ جداً في مجال الإهتمام بحقوق المراة. ثم انني لاأدري إلى أي مدى وصلت عملية التصديق على تحديث الميثاق.

أكتفي بهذا القدر من الحديث عن الميثاق العربي وتحديثه. ولاريب أن ثمة مواثيق عربية أخرى بشأن المرأة بشكل خاص، وبشأن حقوق الإنسان بشكل عام، وينبغي أن تدرس لكي يسكتمل البحث. وآتي إلى المواثيق اللإسلامية بشأن حقوق الإنسان، ومكان المراة فيها.

تتعدد مشاريع المواثيق الإسلامية بشان حقوق الإنسان، ومعظمها- كما أعلم- لم يدخل حيز التنفيذ. بل ولعل اياً منها لم يصدر رسمياً عن منظمة المؤتمر الإسلامي، وإن كانت هذه النقطة بحاجة إلى تدقيق.

وسوف أعالج موضوع المشاركة السياسية للمرأة من خلال بعض مصادر متوفرة لديّ وضعتها شخصيات أو هيئات ذات صفة إسلامية.

في كتاب العلامة الدكتور محمد معروف الدواليبي بعنوان: ندوات علمية حول الشر يعة الإسلامية وحقوق الإنسان في الإسلام (الرياض، دارالشواف، ط/3/، 1993) ثمة /26/صفحة عن المرأة ، (ص 127-152) تذكر حقوقها انطلاقاً من نظرة الإسلام إلى المراة كإنسان، وانطلاقاً من الحديث النبوي الشريف "إنما النساء شقائق الرجال". ويعتبر الدكتور الدواليبي هذا الحديث الشريف صريحاً "في مساواة المراة للرجل في إنسانيتها وفي حقوقها" (ص 133).

وفي كتاب: حقوق الإنسان في الإسلام: أول تقنين لمبادئ الشريعة الإسلامية في ما يتعلق بحقوق الإنسان (دمشق، دار طلاس، 1992) وهو كتاب أعده الدكتور عدنان الخطيب القانوني السوري الكبير، بتكليف من منظمة المؤتمر الإسلامي، وساعده نفر من المهتمين، نقرأ المادة /8/ فقرة /آ/ عن المرأة وهي كما يلي:

المراة شقيقة الرجل ومساوية له في الإنسانية ولها من الحقوق مثل الذي عليها من الواجبات".

ويرى الدكتور محمد عبد الملك المتوكل (من اليمن) وكان رحمه الله المنسق العام للمؤتمر القومي- الإسلامي ، يرى في دراسة عن "الاسلام وحقوق الإنسان" نشرت ضمن كتاب حقوق الإنسان العربي - (بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1999) أن "المساواة التامة بين الرجل والمرأة في الإسلام هي القاعدة الأساسية والاتجاه العام، أما الأحكام الجزئية التي تخالف هذا الاتجاه أو تبدو انها تخالفه، فلابد من البحث عن معقوليتها في المقاصد وأسباب النزول" (ص114). ويبحث الدكتور المتوكل في "حق المراة في الولاية العامة"، فيورد رأي مدرسة "المحافظين" الذي بنكر حق المرأة في الولاية العامة"، وقد ذهبت إلى هذا الرأي لجنة الفتوى في الكويت وقد منعت النساء حتى من حق المشاركة في الانتخاب"، كما يورد رأياً مغايراً لقدماء ومعاصرين. فمن القدماء: "ذهبت فرقة الشبيبية من الخوارج إلى جواز إمامة المراة، واستند المجيزون إمامة المرأة إلى أن عموميات الإسلام تؤكد المساواة بين الذكر والأنثى". ومن المعاصرين يورد رأياً للشيخ راشد الغنوشي مؤداه "إنه ليس هناك في الإسلام ما يقطع بمنع المرأة من الولاية العامة قضاءً أو إمارة" استناداً إلى قول الله تعالى "والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر" (ص119).

ويعمق الرأي السابق فقيهان سوريان هما الدكتور محمد الحبش والدكتور محمود عكام.

يقول الدكتور الحبش: " إن ما تقوم به بعض البلاد الإسلامية...من صد المراة عن المشاركة في الحياة العامة... هو خيار واحد من خيارات أخرى في التاريخ الإسلامي، وهو مردود ببيانات القرآن والسنة". ويستطرد الدكتور الحبش مستشهداً بالإمامين القرطبي و العسقلاني الذين "جزما بأن المراة قد بلغت رتبة النبوة في شخص السيدة الطاهرة مريم بنت عمران والدة السيد المسيح، ولاشك ان بلوغها مرتبة النبوة إقرارمن هذين الإمامين الجليلين بأنه لاتصد المرأة عن رتبة الولاية إذا كانت لها كفؤاً" (ص39- 40).

أما الدكتور محمود عكام فيقول : "للمراة الولاية إذا امتلكت مقوماتها كما هو الأمر بالنسبة إلى الرجل. ولايمكن أبداً أن تفقد صفة الأنوثة أحقية المرأة بالولاية إذا كانت مقتدرة وممتلكة لمقوماتها. وأقصد بالولاية هنا: الولاية بشكل عام، حتى إذا وصفناها بالعامة صار المراد منها الرئاسة العامة. قلنا ورددنا ما قلناه آنفاً وإلا فماذا يعني حديث الرسول (صلعم) القائل " إنما النساء شقائق الرجال"...."(من كتاب: أسرتي وإسلامي ، (حلب، دار فصلت للدراسات والترجمة والنشر، 2002، والمقتطف في ص 116). ولن يفوتني أن أذكر هنا مواقف رائعة في الدفاع عن حق المرأة في المشاركة السياسية يعبر عنها دائماً سماحة الدكتور أحمد حسون مفتي الجمهورية العربية السورية، وسماحة الشيخ حسين شحادة وبين يديّ مقابلة معه عنوانها "غياب الدور السياسي للمراة عطل مشاريعنا النهضوية" (الثورة 9/2/2006) ص /9/).

ويطول بنا المقام إن شئنا متابعة ما أتى به الدارسون والفقهاء في موضوع حق المشاركة السياسية للمرأة. إلا أن من الواجب الإشارة إلى أن بعض الفقهاء يقيم تمييزاً بين مفهوم "المساواة بين الرجل والمرأة" وبين مفهوم العدل بين الرجل والمرأة". وبوجه الإجمال، يتضمن المفهوم الثاني بعض التقييد الذي لا يقره المفهوم الأول.

ولابأس إن تابعت هنا نقطة هامة جداً، أو ستصبح كذلك، بالنسبة لنا هنا في سورية. ليست لهذه النقطة صلة مباشرة بالمشاركة السياسية، لكن احداً لايستطيع إنكار صلتها غير المباشرة بتلك المشاركة . إنها تختص بمساواة المراة والرجل في الإرث. وهي نقطة ذات طبيعة اقتصادية. ولاريب أن ثمة صلة، ولو غير مباشرة، بين "الملاءة الاقتصادية" وبين المشاركة السياسية.

في عام 1991 التقت بالرباط جمعيات وشخصيات نسائية من الجزائر وتونس والمغرب، وأسست "مجموعة 95 المغاربية من اجل المساواة". ويظهر الاسم حرص المجموعة على ضبط نشاطها مع موعد مؤتمر المرأة العالمي في بكين الذي سيتم عقده عام 1995. اصدرت هذه المجموعة نشرة عنوانها: "مائة إجراء ومقتضى من أجل تقنين مغاربي بروح المساواة في مادة الأحوال الشخصية وحقوق الأسرة". ثم إنجاز النشرة (أوالكتاب) بدعم من مؤسسة فريدرش ايبرت الألمانية والاتحاد الأوروبي. بين المائة إجراء ومقتضى نصوص تتعلق بالإرث، منها الفصل (وكلمة الفصل عند المغاربة تعني: المادة عندنا) /88/ وهو كما يلي:

"نصيب المرأة والرجل من تركة مورثهما متساويان إذا كانا في نفس درجة القرابة منه" (ص22).

وقد عالجت بعض جوانب مسألة الإرث في بحث نشرته مجلة المشرق ( اليسوعية البيروتية نصف السنوية، كانون الثاني- حزيران 1993)، وقد ورد فيه: "نسبة العائلات التي يقتصر إنجابها على الإناث قد تصبح عندنا في سورية نحواً من 15- 25% وهي نسبة مرتفعة. لماذا ينبغي على رب هذه العائلة أن يخشى أقرب عصبة إليه، ذلك الذي سيشارك صغاره إرثهم منه؟" ص 262- 263).

وعليّ أن أشير أن هذا البحث في مجلة المشرق قد نشر أيضاً في مجلة المعرفة التي تصدرها وزارة الثقافة في سورية . إلا أن الفقرة التي أوردتها أعلاه حذفت. ومما يذكر في هذا الشأن أن حكومة لبنان أصدرت في 23/6/1959 قانون الإرث لغير المحمديين، وبه تتساوى الأنثى مع الذكر (عن كتاب اعدته المحامية لور مغيزل: حقوق المرأة الإنسان في لبنان في ضوء اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة، بيروت، اللجنة الوطنية لشؤون المراة ومؤسسة جوزيف مغيزل، لا تاريخ للنشر، والمعلومات من ص /43/ و/104).

وفي سورية، أقرّ "قانون الأحوال الشخصية للطوائف الكاثوليكية" الذي صدر في 18/6/2006 ونشر في الجريدة الرسمية في 5/7/2006، أقرّ احكام المساواة في الإرث بين الذكر والأنثى. ونشر القانون مؤخراً على هيئة كتاب في /251/ صفحة قام بإعداده وتنسيقه الأب أنطون مصلح. ومن المتوقع أن تحذو الطوائف المسيحية غير الكاثوليكية في سورية حذو الطوائف الكاثوليكية في هذا الشأن.

في تلخيص هذا الجزء الثالث من البحث يمكن القول بثقة أن المواثيق العربية والإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان يزداد انفتاحها على مبدأ المشاركة السياسية للمرأة على قدم المساواة مع الرجل، وأن أدبيات المفكرين والدارسين والفقهاء أكثر انفتاحاً على هذا المبدأ من المواثيق، وأن كل ذلك الانفتاح لا يخل بالشريعة الإسلامية الغرّاء، بل على العكس، إذ يقرر معظم أصحاب الرأي أنه، أي الانفتاح، إنما هو مستمد منها، أي من الشريعة.

رابعاً: المشاركة السياسية للمراة في الدول العربية والإسلامية من خلال الممارسة: خلاصة عامة:

يكاد يصبح أمراً من الماضي الحديث عن مبدأ ضرورة المشاركة السياسية للمرأة وحقوقها في هذا الشأن، سواء في البلاد العربية أو البلاد الإسلامية. معظم تفسيرات الشريعة الإسلامية ، التي تتبناها معظم الدول العربية والإسلامية، لم تعد تعتبر أن ثمة ما يحول دون تمتع المرأة بحقي التصويت في انتخابات المجالس التمثيلية والترشح لعضويتها والفوز فيها. كذلك ليس ثمة ما يحول دون تولي المرأة أي منصب عام عالي المقام.

وتدلنا الممارسة على أن ثمة بلدين تسنمت المرأة فيهما منصب نائب رئيس الجمهورية، وهما أيران (في عهد الرئيس خاتمي) وسورية. كما تدلنا على أن ثلاثة من رؤساء الوزارة في الدول الإسلامية كانوا من النساء: بنغلادش وباكستان وتركيا.

أما النساء اللواتي تولين مناصب وزارية فعددهن كبير. وأكبر منه بالطبع عدد من فزن بعضوية المجالس التشريعية. وفي هذا المجال نذكر أن بعض الدساتير العربية، أوبعض القوانين الخاصة بالانتخاب للمجالس التشريعية، تحدد نسبة معينة للنساء. هذا هو حال الدستور العراقي الذي يحدد النسبة بالثلث، على ما اظن. وهذا حال الأردن أيضاً، ولا أدري النسبة، ولا أدري إذا كان تحديدها قد ورد في الدستور أو في قانون الانتخابات.

إذن، ثمة تقدم في موضوع المشاركة السياسية للمرأة. وهذا التقدم مستمر، ويتباين طبعاً من دولة إلى أخرى. ومن هذا التباين تنبثق صعوبة الاتفاق على مواثيق عربية وإسلامية بشأن المشاركة السياسية. يقال: ينبغي على الأسطول أن يسير بسرعة أبطأ سفنه. وهذه حال المواثيق.

خامساً: ختاميات: نتائج واقتراحات:

نتائج:

1- يدعو البعض القرن العشرين بأنه قرن المرأة. من هؤلاء فلورانس مونترينوFlorence Montreynaud التي أصدرت كتاباً لها بهذا العنوان عام 1992، وقد عرفت عنه من خلال عرض له للدكتورة إلهام كلاب البّسّاط (النهار 20/12/2000). ومع ذلك فما يزال البعض في دول متقدمة بل وفي معاقل للتقدم العلمي يؤمن بدونية المرأة في قدرتها على التحصيل العلمي في حقلي العلوم والرياضيات. من هؤلاء الدكتور لورانس سامرز رئيس جامعة هارفرد الذي أطلق في كانون الثاني 2005 " تصريحات تحط من قدر النساء حين اعتبر أن السبب وراء تسلم قلة من النساء وظائف علمية هامة يكمن في التفاوت بين قدرات النساء والرجال"، ثم ما لبث أن اعتذر عن أقواله. (السفير 3/8/2005، ص 18). إذن ليس علينا أن نتذمر كثيراً ممن ينكر في بلادنا قدرات النساء، فحتى في الغرب يحصل ذلك . ولكن على من ينكر قدرات النساء أن يتذكر أن رئيس جامعة هارفارد قد اعتذر.

2- ثم أن من الملاحظ أن المشاركة السياسية للرجل على مستوى العالم ما تزال أقوى من المشاركة السياسية للمرأة. ولعلي لا أجانب الصواب إذا قلت أنه في مرة واحدة، أو في مرات محدودة معدودة، كانت النساء أكثر عدداً من الرجال في تشكيلة وزارة أو وزارات في البلاد الاسكندنافية.

3- ويثير "التمييز الايجابي" لصالح المرأة المسائل الكثيرة التي تثار بسبب هذا التمييزالذي يقصد منه دائماً تحقيق هدف نبيل هو مساعدة الفئات المهمشة. هل علينا، في اختيارنا شخصاً لمنصب هام، أن نراعي مبدأ مستوى الكفاءة أو مبدأ ضرورة القضاء على التهميش؟ ثم بالطبع: هل يمكن الحكم بدقة على مستوى الكفاءة؟

4- وفي كل حال، تمضي قدماً مسيرة المشاركة السياسية للمرأة، في العالم كله وفي بلاد العرب والمسلمين. وتتقلص مع تقدم المسيرة، الأسئلة التقليدية حول قدرات المرأة وحول حفظ حصة لها، ليتصاعد الاهتمام بالأفكار السياسية التي يقدمها للناس الساسة من ذكور وإناث. وهذا هو خط التطور السليم.

اقتراحات:

1ً- يحسن، في مجال المواثيق العربية والإسلامية الخاصة بحقوق الإنسان، أن تصدر جهة مرجعية ما، مجموعة هذه المواثيق، على ان تجدد سنوياً في موعد محدد، وأن تجدد أيضاً في كل مرة تقتضي ذلك. جامعة الدول العربية هي المؤهلة الطبيعية لذلك عربياً، وقد أحدثت فيها قبل سنوات إدارة خاصة بحقوق الإنسان. ومنظمة المؤتمر الإسلامي هي المؤهلة الطبيعية لذلك إسلاميّاً.

2ً- وضمن ما سبق يحسن أن يكون ثمة عنوانان في المجموعة، أحدهما عن المشاركة السياسية، والثاني عن المرأة. وربما يحسن ان يكون ثمة عنوان ثالث عن المشاركة السياسية للمرأة.

3ً- ويحسن بالطبع أن تنضم كل الدول العربية والإسلامية، إلى اتفاقية مناهضة التمييز ضد المرأة، وأن يكون الانضمام مطلقاً دون تحفظ.

4ً- ونظراً لصعوبة تنفيذ الاقتراح السابق، فإنه يحسن أن تعقد اتفاقية لمناهضة التمييز ضد المرأة خاصة بالدول العربية والإسلامية، على أن يفهم أن هذا الإجراء إنما هو خطوة تدرّجية باتجاه العالمية.

5ً- وإذا كان الاقتراح السابق صعباً هو الآخر، فبالإمكان البدء بمحاولة تخصيص نسبة مئوية معينة للمشاركة السياسية للمراة في المجالس التمثيلية، ينص عليها الدستور أو قانون الانتخابات. لايشترط في هذه النسبة المئوية أن تكون واحدة في كل الدول العربية والإسلامية، بل تتباين بتباين ظروف كل دولة.

6ً- ثم أن من الطبيعي أن نقترح زيادة العناية الإعلامية بالكيفية التي تشارك المرأة فيها سياسياً في الدول العربية والإسلامية.

7ً- وأخيراً، وبما أننا في حلقة نقاشية مشكلة من أعضاء مجلس الشعب في سورية، فمن المناسب التباحث في إمكان إنشاء لجنة دائمة في المجلس تختص بالمرأة وحقوقها.

دمشق: 15/11/ 2006.

--------------------------------------------------------------------------------

*- يرحب الكاتب بأية ملاحظة انتقادية على هذا البحث عبر بريده الالكتروني: drjabbour@mail.sy أو عبر البريد العادي: ص. ب. 9877 دمشق سورية.



الدكتور جورج جبور:

- أستاذ محاضر في الدراسات العليا، كلية حقوق جامعة حلب.

- عضو مجلس الشعب.

- رئيس الرابطة السورية للأمم المتحدة.