المرأة البحرينية والانتخابات النيابية.. قراءة في النتائج

المصدر: 
بوابة المرأة
مركز الخليج للدراسات الاستراتيجية

رغم كثرة التوقعات المحلية والعالمية التي سبقت الانتخابات النيابية الأخيرة بإمكانية فوز المرأة البحرينية،فإنها لم توفق في الفوز بها، علمًا أن المرأة الوحيدة التي نجحت في الحصول على مقعد بالبرلمان وهي السيدة "لطيفة القعود" فازت بالتزكية. وبهذه النتيجة تسجل المرأة البحرينية إخفاقا المرة الثانية على التوالي رغم تضاعف عدد المترشحات وعلو درجاتهن العلمية والأكاديمية ومساهمتهن في الحياة الاجتماعية والفكرية والسياسية،
بالإضافة إلى حدوث تحول نسبي في وعي المجتمع تجاه دور المرأة كمترشحة من خلال الحماسة والمساندة من عدة جهات نسائية ورجالية لترشيح بعضهن. وأيضًا وصول إحداهن إلى الجولة الثانية وقربها من الفوز المحقق، مما يدعو للتساؤل عن سبب عدم فوز المرأة في كل هذه الأحوال. ومن خلال قراءة الخريطة النهائية للانتخابات النيابية لعام 2006 يتضح ترشح 18 سيدة من إجمالي 207 مترشحين - منهن امرأتان ترشحن المرة الثانية- في 16 دائرة من إجمالي 40 دائرة في المحافظات الخمس، بواقع مترشحة أو مترشحتين في كل دائرة، حيث ترشحت سيدتان في الدائرة الثانية في محافظة المحرق، والدائرة السابعة من محافظة الشمالية، وقد أسفرت الجولة الأولى من الانتخابات عن إخفاق ست عشرة مترشحة ودخول مترشحة واحدة هي د. منيرة فخرو في الجولة الثانية، مقارنة بنتائج انتخابات عام 2002 التي تمكنت فيها اثنتان من دخول الجولة الثانية، مما يعني أن خسارة المرأة أضحت أكثر عمقا.

وتأملاً في هذه النتيجة يمكن القول: إن المؤشرات التي بنيت على أساسها التوقعات باحتمال نجاح أكثر من امرأة في هذه الانتخابات لم يكن لها أي تأثير في تغيير النتيجة لصالح المرأة عنها في انتخابات عام 2002،

أول هذه المؤشرات: الوعي السياسي للمرأة، الذي انعكس في زيادة عدد المترشحات من ثماني سيدات مقابل 182 من الرجال بنسبة 4.2% من إجمالي 190 مترشحًا في انتخابات عام 2002 إلى ثماني عشرة مترشحة مقابل 189 من الرجال بنسبة 8.7% من إجمالي 207 مترشحين في انتخابات العام الحالي 2006،

ثانيها: المؤهلات العلمية والأكاديمية المختلفة والأدوار المجتمعية الواضحة لغالبية المترشحات،

ثالثها: نجاحهن في إدارة حملاتهن الانتخابية، من خلال تكوين فرق العمل، وتقديم برامج انتخابية تعكس وعيهن بالقضايا المجتمعية والمشاكل الحياتية والخدماتية التي يعانيها أهالي دوائرهن،

ورابعها: غلبة الأصوات الانتخابية "الأنثوية" على "الذكورية"، حيث تبلغ نسبة الناخبات 50.2% من إجمالي الناخبين بفارق 1030 ناخبة.

خامسها: دعم بعض الجمعيات السياسية للمرأة ومنها "الميثاق" التي دعمت ثلاث مترشحات، هن: "أمل الجودر"، و"صفية بوعلاوي"، و"جميلة السماك" في ثلاث دوائر انتخابية: الأولى والسابعة بالوسطى والثانية بالعاصمة، وجمعية الشفافية التي دعمت المرشحة "فوزية زينل" بثامنة الوسطى، وجمعية الإخاء الوطني التي دعمت "هدى المطاوعة" و"زهراء مرادي" في ثانية ورابعة المحرق وتحالف جمعيتي التجمع الدستوري والشورى اللتين دعمتا "بدرية المسلماني" في ثانية المحرق، وجمعية "العمل الوطني الديمقراطي" التي دعمت "شهزلان خميس" في خامسة العاصمة، و"منيرة فخرو" في رابعة الوسطى.

سادسها: دعم المجلس الأعلى للمرأة من خلال برنامج التمكين السياسي بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي الذي قدم حزمة من البرامج التوعوية والتدريبية التي ركزت في احتياجات المترشحات بما يعزز من مهاراتهن ويشجعهن على خوض التجربة بكفاءة، وقد تمت الاستعانة فيه بعدد من بيوت الخبرة العربية والعالمية بالإضافة إلى العديد من المختصين من داخل المملكة من خلال برنامج متكامل استغرق قرابة العام ونصف العام، وعلى الرغم من عدم وصول المرأة إلى المجلس المنتخب فإن البرنامج قد أسهم في إحداث تحولات إيجابية تمثلت في حضور المرأة القوي على ساحة المنافسة الانتخابية وأمام مختلف التيارات السياسية.

وهنا لا يمكن إلقاء اللوم على " أزمة الوعي المجتمعي"بدور المرأة كشريك إنتاجي (أولاً) ولاعب سياسي (ثانيًا) والتعامل معه كعامل رئيسي في إحباط وصول المرأة والحيلولة دون تمكينها في شتى المناصب العامة أو التعويل على حداثة التجربة الديمقراطية، حيث يعد ذلك تمويهًا وتغييبًا لبعض الحقائق، وأهمها عقلية التعامل مع البرلمان والتنافس بين القوى المختلفة للفوز بأكبر عدد من المقاعد، وبالتالي عزوف الجمعيات السياسية المتنافسة عن وضع مترشحات على قوائمها الانتخابية، فمن إجمالي 13 جمعية خاضت الانتخابات وضعت 5 جمعيات وتحالفات سيدات على قوائمها، مقدمين الدعم لتسع مترشحات فقط من الـ18، خشية فقد أحد المقاعد إذا ما حدث تصادم بين كون المترشحة امرأة وبين الخلفية الثقافية للناخب مما يدفعه إلى اختيار المترشح الرجل بصرف النظر عن قدراته أو كفاءته ولذا دخلت الجمعيات السياسية المختلفة السباق الانتخابي من خلال مترشحين رجال لهم ثقل وشعبية لدى الناخبين من دون وضع مترشحات على قوائمهم على الرغم من وجود سيدات لهن تاريخهن النضالي والسياسي.

وبالتالي يجب على المترشحات أن يمتلكن أدوات اللعبة السياسية، وأن يتناغمن معها، فإذا اعتقدن أن بإمكانهن إصلاح العملية السياسية فيجدر بهن الانتظار فترة ربما تكون طويلة لكي يبلغن مقاعد البرلمان، وبالتالي عليهن الدخول في مجالس إدارة الجمعيات السياسية الكبيرة خاصة الدينية منها، والعمل على سن القوانين التي تجعل الدعم المالي الحكومي مربوطًا ومشروطًا بترشيح النساء كما تفعل دول عديدة لتمكين النساء.

وعلى ذلك فإن دخول المرأة كمستقلة هو أحد الأخطاء التي وقعت فيها، خاصة أن معطيات الشارع السياسي تفرض صعوبة فوزها في بعض الدوائر، ليس لأنها امرأة، ولكن لاعتبارات أخرى تتعلق بالتيارات المسيطرة في الدائرة، التي سقط أمامها رجال أيضًا، فقد حازت"د.منيرة فخرو"، وهي المترشحة التي عقدت عليها الآمال لتصبح أول امرأة تدخل البرلمان البحريني بالانتخاب، ومترشحة جمعية العمل الوطني الديمقراطي، على 3169 صوتًا فقط في رابعة الوسطى أي ما نسبته 41.69 من جملة الأصوات التي حصلت عليها الـ 17 مترشحة والبالغة 10623 صوتًا، ويرجع ذلك إلى طبيعة الدائرة والمترشحين أمامها، فقد تنافست مع "صلاح علي" رئيس المنبر الإسلامي، فضلاً عن دخول جمعية الوفاق الإسلامية المعارضة بكل ثقلها، وبالتالي من الطبيعي أن يحدث التوازن السياسي، وهو الأمر الذي غاب عن غالبية المترشحات.

وقد تكرر مع معظم المترشحات، حيث تلت "د. منيرة فخرو" في القائمة، المترشحة "فوزية زينل" في ثامنة الوسطى التي حصلت على نسبة 33.73% من مجموع أصوات 2598، والتي فاز أمامها "عبداللطيف الشيخ" من جمعية المنبر. ثم تأتي "أمل الجودر" التي حققت نسبة 15.60% بمجموع أصوات 1529 صوتًا، إلا أن الفوز كان حليف مترشح جمعية الوفاق "جلال فيروز"، وتأتي "مريم الرويعي" في المرتبة الرابعة في أولى الجنوبية التي فاز فيها السلفي المستقل "جاسم السعيدي" بنسبة عالية وصلت إلى 70%، وتليها "ضوية العلوي" في سابعة العاصمة، ثم "زهراء مرادي" في رابعة المحرق ثم "حنان الكواري" في سابعة الشمالية التي فاز بمقعدها مترشح الوفاق د."جاسم حسين"، ف"سهام الشيخ" في ثانية الجنوبية التي ظفر بمقعدها عضو الأصالة "حمد المهندي". ثم "شهزلان خميس" بخامسة العاصمة التي ربح فيها مترشح الوفاق "محمد المزعل"، وتلتها "صفية بوعلاي" في سابعة الوسطى التي فاز بمقعدها السلفي "عبدالحليم مراد"، و"جميلة السماك" بثانية العاصمة التي فاز بها مترشح الوفاق "خليل المرزوق"، ثم "فاطمة علي" بخامسة الشمالية التي انتصر فيها مترشح الوفاق "محمد جميل الجمري"، وتليها كل من "بدرية المسلماني" و"هدى المطاوعة" في ثانية المحرق التي أصبحت محل تنافس بين السلفيين "إبراهيم بوصندل"، و"صلاح الجودر"، وتليهما "موزة سبت" في سابعة المحرق التي تنافس عليها في الجولة الثانية كل من المنبري "ناصر الفضالة"، و"سامي سيادي" عضو "وعد"، ثم "أمينة عباس" في رابعة العاصمة التي حظي بمقعدها مترشح الوفاق "عبدالجليل خليل"، وأخيرًا "فتحية القيم" التي حازت نسبة 0.79% فقط، وكانت بالدائرة السابعة بالمحافظة الشمالية التي فاز بها المترشح الوفاقي د. "جاسم حسين". ويتصل بهذه الإشكالية غياب التنسيق بين المترشحات، حيث شهدت دائرتان، هما: السابعة بالمحافظة الشمالية والثانية بمحافظة المحرق منافسة بين مترشحتين، في حين نزلت المترشحات في ست عشرة دائرة انتخابية فقط تاركات أربعًا وعشرين دائرة انتخابية للرجال يتنافسون فيها، مما يعد مؤشرًا خطرًا على عدم وجود التنسيق الفاعل بينهن. لذا وحتى تزيد فرص نجاحهن في الانتخابات القادمة عام 2010 يجب الأخذ في الاعتبار حل هذه الإشكالية من الآن، وهو ما نصحت به سمو الشيخة "سبيكة" رئيسة المجلس الأعلى للمرأة متدربات برنامج التمكين السياسي للمرأة وخاصة الراغبات في الترشح للانتخابات.

بيد أن زيادة عدد المترشحين من الرجال في كل دائرة مقارنة بعدد المترشحات من النساء قللت من فرص نجاحهن، ففي الدائرة الثانية بمحافظة العاصمة - على سبيل المثال - التي تبلغ كتلتها الانتخابية 7217 تنافس 13 مترشحًا من بينهم امرأة واحدة، كما شهدت الدائرة منافسة بين كل من جمعيات: الوفاق والميثاق والوحدة الوطنية إلى جانب المستقلين إضافة إلى النائب السابق للدائرة. وصحيح أن هناك توازنات سياسية يجب أن تعيها المترشحة وأن تسعى نحو تجاوزها، غير أن هناك حاجزًا نفسيًا بينها وبين الناخبة التي تملك قوة تصويتية لا يستهان بها، إذ أشارت الإحصاءات الرسمية للانتخابات إلى أن إجمالي من يحق لهم التصويت 295686 ناخبًا وناخبة، وبلغ عدد الناخبات على مستوى محافظات المملكة الخمس 148358 أما الناخبون الذكور فعددهم 147328، وقد بلغت نسبة المشاركة هذا العام 72% أي ما يقرب من 212893.92 ناخبًا وناخبة، ومع ذلك لم تحصل المترشحات إلا على 10623 صوتًا بنسبة 5% من أصوات الناخبين، وبطبيعة الحال، يجدر بالجمعيات النسائية إجراء دراسة ثانية على غرار الدراسة التي أعدتها لجنة شؤون المرأة في جمعية الوسط الديمقراطية عقب الانتخابات عام 2002 للوقوف على أسباب إخفاق المرأة في انتخابات عام 2006 من خلال تعرف نسب تصويت النساء للمترشحة وإجراء مقارنات بين كل محافظة بحسب نتائج الانتخابات النيابية والبلدية، وكذلك الحال بالنسبة إلى الذكور، للوقوف على مدى المشاركة والوعي الحاصل في الشعب البحريني وأين يكمن القصور والخلل.. على أن يتم ذلك بشكل علمي وموضوعي، من دون حساسية أو تفاسير مسبقة متحاملة ضد أحد.

صحيح أن نتائج الانتخابات النيابية عبرت عن خيار المواطنين الذين أدلوا بأصواتهم في جو من الشفافية والحرية، إلا أن هذه النتائج لا تنتقص من مكانة المرأة البحرينية ولا من دورها وقدرتها على شغل مختلف المناصب، وذلك لأن هدف المرأة البحرينية لم ينحصر في الحضور والوجود في هذه الانتخابات، بل لأنها عضو في المجتمع خُلق ليكون له دور وعليه أن يؤديه بما أتيح له من الحقوق والقدرات والكفاءات، فضلاً عن وجود حاجة ملحة إلى وجودها في السلطة التشريعية عكسها أداؤها المميز في مجلس الشورى السابق ومناقشتها القضايا كافة، فضلاً عن الجهود الحثيثة لتمكينها سياسيًا ودعمها معنويًا وأهمها تعيين عشر سيدات في مجلس الشورى الجديد يوم 6/12/2006 بنسبة 25% مقتربة بذلك من نسبة وجود المرأة في السلطة التنفيذية في الدول المتقدمة. ومن هنا - وحسبما صرحت به سمو الشيخة "سبيكة بنت إبراهيم آل خليفة" رئيسة المجلس الأعلى للمرأة- فإنه يجب على المجتمع أن يباشر دوره تجاه مسألة تمكين المرأة، ويسعى بقناعة تامة إلى أن تمارس حقوقها السياسية بشكل فاعل.