نساء يعانين العنف ولا نحرك ساكناً

المصدر: 
الثرى
يحيى الأوس

تتصاعد وتيرة العنف المنزلي يوما بعد يوم، دون أن ينجح أحد في وضع اليد على منابع هذه المشكلة. فنكتفي بتعداد الأسباب وأحياناً نتوقع الأرقام أو أنواع العنف الممارس ضد الضحايا. لكننا نبقى بعيدين عن الحل أو المعالجة!!.

وقد يطالبنا أحد بإثبات ارتفاع نسبة هذا العنف ومن أين لنا أن نقرر ما إذا كان هذا صحيحاً؟ طالما أنه لا تتوافر لدينا أجهزة رصد أو مؤسسات إحصاء تتكفل بمهمة رصد الانتهاكات التي تقع على النساء أو ألأطفال داخل بيوتهم. وللرد على مثل هذا التساؤل المشروع لا بد من الاستشهاد بالرسائل والاستشارات التي تردنا إلى مجلة "ثرى" للتدليل على ارتفاع هذه النسب حقيقةً، فضلاً عن الحالات التي نستقبلها في المجلة والتي تعاني من هذا النوع من العنف. السيدة "ج.ع" بعثت إلينا برسالة تقول فيها أنها متزوجة منذ أربعة سنوات ولديها طفلين. وأنها بدأت تتعرض للضرب من قبل زوجها الذي يعمل سائق تاكسي وأنه لا يكاد يمر يوم واحد دون أن تتعرض فيه للضرب أو الإهانة حالياً. تضيف السيدة في رسالتها: كانت الخلافات التي تقع بيننا في السنة الأولى خلافات عادية تقع في أي منزل، لكن الأمر تطور تباعاً، وبدأ يشتمني بألفاظ نابية ويشتم أسرتي على الرغم من أني كنت حامل بابنتي الكبرى، في العام الثاني وبعد وفاة والدي بشهر واحد تطور الخلاف بيننا وكانت المرة الأولى التي يعتدي فيها علي بالضرب وعندها تركت المنزل وذهبت إلى منزل أهلي، لكني عدت بعد أيام بعد أن تعهد زوجي لأخوالي وشقيقي الأكبر بعدم تكرار ما فعله معي، لكنه لم يلتزم بما فعله وعاود الاعتداء علي من جديد بعد أسابيع وكان وقتها بلا عمل. المسألة تكررت مرات عديدة ولكن كان هناك فترات هادئة. منذ عام بدأت العلاقة تسوء جداً ولم تعد مسألة ضربي أو توجيه الإهانات لي تعني له شيء على الرغم من أني كنت حامل في الطفل الثاني، وقد غادرت المنزل عدة مرات وبقيت لفترات طويلة في منزل والدتي أنا وأولادي. وأنا اليوم أعيش حياة تعيسة مع زوج لا يجيد سوى لغة العضلات ..لا أدري ماذا أفعل؟!. نصحني الكثير بان أتقدم بشكوى ضده في قسم الشرطة ولكن أمي ترفض ذلك و كذلك أخي الذي لا يحاول في كل مرة وضع حد له دون فائدة ..أرجو المساعدة والنصح علما أني متعلمة ومعي شهادة بكالورية. "ج.ع" سيدة أخرى تعاني من المشكلة نفسها كتبت لنا تقول: كان زوجي يهينني بالكلام منذ أكثر من سبع سنوات و بدأ الأذى الجسدي بطريقة الدفش ..النعر و هذه الأمور وأنا أتحمل.. رزقنا رب العالمين بطفل منذ سنتين و تخيلت بأن الوضع سيتحسن لكن منذ يومين ضربني و كأنني عدوة له و لست زوجته. كانت أول مرة يضربني بهذه القوة و الوحشية و كل هذا أمام أبني الذي بدأ بالبكاء لأنه يستطيع أن يفعل شي المهم اتصلت بعائلتي و غادرت المنزل. لا اعرف ماذا أفعل أنا لم أعد أشعر بالحب نحوه و لكن الكل يقول من أجل الطفل بس كيف "بضمن" انو ما يضرب ابني بالمستقبل؟ كيف بدي عيش مع واحد خذلني بعد كل هالسنين؟ ما بعرف شيء و أهلي يقولون لي القرار لك لكن هذا صعب هل يستطيع أحد مساعدتي؟ انا من دمشق عمري 30 سنة خريجة أدب انكليزي هو من الشام ما معو إلا إعدادية و اهلو فرق كبير بين اهلو و اهلي يعني من العادات و الأصول و هذه الأمور... ممكن حدا يساعدني الفتاة" خ.ك" لديها قصة مختلفة مع العنف فهي تتعرض للضرب المبرح من قبل أخوتها. تقول"خ.ك" التي جاءت إلينا لتشرح معاناتها وتطلب المساعدة: أعيش في قرى من قرى محافظة درعا وأعمل في جني الخضار. لدي ثلاثة أخوة أكبر مني وهم عاطلين عن العمل. منذ أن فتحت عيوني على الدنيا كان الضرب وسيلة أخوتي في التعامل معي حتى بات شيئا عادياً. في الفترة الأخيرة لم أعد أحتمل هذا فقررت ترك المنزل وليحدث ما يحدث. فلن أسمح لهم بضربي من جديد طالما أن أمي غير قادرة على حمايتي وأبي خارج المنزل. كانت تلك ثلاثة حالات فقط من فيض الرسائل التي تصلنا إلى بريد المجلة تطلب فيها الدعم و تقديم النصيحة، وقد قمنا بتوجيه بعض النصح لهن وتوجيههن للمكان المناسب. ولكن تبقى مشكلة العنف المنزلي واحدة من المعضلات التي يصعب السيطرة عليها، أو وضع حد لها حتى اليوم في بلدنا، خاصة في ظل العجز عن الوصول إلى ضحايا هذا النوع من العنف سواء أكانوا من الأطفال أو النساء، بفعل اعتبار هذا اقتحام للخصوصية المنزلية، وتدخلا في الشؤون الذاتية للأسر التي تقع هذه الممارسات فيها. ومع اتساع دائرة الاهتمام بالمسائل التي تؤرق حال الأسر السورية، يظهر العنف المنزلي بوصفه إحدى المسائل التي تحظى باهتمام أقل مقارنة بسواه من القضايا. فالدراسة الوحيدة التي تناولت قضية العنف المنزلي والتي أجريت قبل نحو عامين من قبل الاتحاد النسائي والتي أظهرت تعرض ربع السوريات للعنف بمختلف مسمياته وأنواعه. اقتصرت على تقديم أرقام ومسببات ولم تتعرض للحلول أو الاقتراحات الجادة . في حين يبقى تشريع قانون خاص بالعنف الأسري غاية لا نستطيع إدراكها، كما تبقى التجارب الأخرى بمنأى عن الوصول إلى صناع القرار في بلدنا كالقانون التونسي الذي يضاعف العقوبة لمرتكب الجريمة إذا اعتدى على أحد ذويه أو القانون الألماني الذي يشدد هذه العقوبة إلى حد بعيد ويمنح الجيران حق تقديم شكوى في حال ملاحظة وقوع انتهاكات متكررة في المنزل المجاور. وقد أثبتت هذه القوانين فاعليتها وانعكست في انخفاض نسبة العنف المنزلي في هذه الدول.