المغرب:الأمهات العازبات بالمغب

المصدر: 
Doroob
الحمل بدون زواج في المجتمع المغربي موسوم بالعار والفضيحة و يعاقب عليه القانون بل أكثر من ذلك يؤدي إلى تهميش الأم الحامل و إقصائها اجتماعيا. فالظاهرة التي نسميها إجرائيا بالأمهات العازبات، تعد جد معقدة و متشابكة العوامل لأنها ترتبط بعدة مجالات من بينها: القانون، الدين و الجنس تؤطرها كلها عقلية ذكورية مازالت تفرض تأثيرها في المجتمع. ترى كيف نشأت ظاهرة الأمهات العازبات ؟ وما العمل لتغيير ثقافة الاحتقار بالمجتمع المغربي؟
ذهنية التحريم…!

تشكل ظاهرة الأمهات العازبات التابو الذي لا ينبغي مناقشته مادام هناك جوابا جاهزا و مسلم به حول هذا الموضوع، وتختزله العبارة التالية: العلاقة بين الرجل و المرأة خارج إطار الزواج تعد باطلة و غير شرعية بل تعرض الأم العازبة ـ وليس شريكها ـ إلى كل أنواع الاضطهاد و العقاب الاجتماعي الذي يبدأ بإطلاق مجموعة من النعوت، كحشومة ، عار ، حرام و غيرها من الألفاظ القدحية في حق الأم العازبة ،وقد ينتهي الأمر بمحاكمتها.
ومن أجل فهم دقيق لوضع الأمهات العازبات لابد من القيام بطرح سؤال الممارسة الجنسية بالمجتمع المغربي نظرا للترابط الموجود بين الجنس و مؤسسة الزواج بالمغرب. في هذا السياق، تؤكد الدراسة الإثنولوجية التي قامت بها مريم شتوكي،) باحثة مقيمة بسويسرا (على الدور الرئيسي الذي يلعبه الجنس في عملية إنتاج و إعادة إنتاج القواعد بالمغرب)الزواج ، المحرمات( . هذا الدور يتضمن رغبة في التحكم في الأجساد، الأفكار و العواطف، وبالتالي تكون الأم العازبة بمثابة الوجه الفاشل لهذه العملية الرامية إلى الضبط الاجتماعي.
إنطلاقا من هذا المدخل، لايمكن فهم ظاهرة الأمهات العازبات إلا عن طريق تحليل و فحص الممارسة الجنسية التي يثير النقاش حولها عدة مشاكل وتساؤلات قد تفضي إلى جدالات طويلة الأمد. فالكلام في هذه الإشكالية يجب أن يميز بين الجنس كخطاب شفهي متداول بين الناس من ناحية والجنس كموضوع للبحث العلمي من ناحية ثانية. هذا التمييز يدفعنا أكثر إلى وضع الحديث الجنسي في علاقته بالأم العازبة تحت مجهر المساءلة من أجل جس نبض المقــــول Le dicible واللامقــــولl’indicible أي فهم وتعميق النظر في طبيعة وآليات الرقابة الاجتماعية. فكل مقاربة لموضوعة الجنس في المجتمع المغربي تستدعي بالضرورة استحضارا لقارة مظلمة تحدثت عنها كتب ومؤلفات عديدة طبعت تاريخ الحضارة العربية الإسلامية.
من المعروف أن الجنس يمثل ذلك المحرم الذي ينبغي السكوت عنه بالمقابل، فالملاحظة العينية البسيطة كافية للتعرف على مفارقة كبيرة و تجسدها العديد من الممارسات الممنوعة على مستوى الخطاب العمومي لكنها تمارس على أرض الميدان، و على سبيل المثال لا الحصر: الممارسة الجنسية خارج مؤسسة الزواج، الإجهاض، و غيرها.
وفي نفس المنحى، بمجرد أن نفتح أعيننا على ثقافة العيب والممنوع والخجل نكتشف أن العديد يفضل الظلام على النور ويخشى الحديث في ثلاثة مواضيع أساسية في حياتنا اليومية سميت بالمحرمات وهما على التوالي:الدين والسياسة والجنس. وبما أن < الممنوع مرغوب فيه >، فقد قررت العديد من الفئات و الشرائح الاجتماعية بالمجتمع المغربي السير عكس التيار. هذا الأمر يحتاج في نظرنا إلى وقفة تأملية هادئة لمحاولة فهم الذات ـ وليس محاكمتها ـ ومعرفة أسباب سياسة الخوف من كشف المستور، فالممنوع و المحرم يشمل كل ما يخرج عن العادات والتقاليد، بل هو ما يمنع علينا فعله. إنه عبارة عن لفظ و تسميات مختلفة من أجل التضليل وإخفاء الحقيقة، مما حول المجتمع إلى مجال لممارسات فصامية تعري ـ في إطار واقع الأمهات العازبات ـ عن رغبة الرجل الدفينة في تأكيد نزعاته الذكورية و تهميش المرأة عن طريق ربطها بلغة الشرف والعذرية الطاهرة التي تتناقض مع الواقع النظري و العملي. إن لعنة الإقصاء لا تجعل الأمهات العازبات فقط ضحية للإكراه الاجتماعي بل هناك الأطفال الذين يعانون بالدرجة الأولى من هذه الوضعية المزرية. فحسب رأي جميلة بركاش )باحثة انتروبولوجية (،إن الأبناء غير الشرعيين موسومون بالعار و منبوذون من المجتمع و مضطهدون من قبل القانون و حقوقهم كبشر منتهكة.
أكيد أن تحولات المجتمع المغربي على كافة المستويات تدفع إلى مقاربة مغايرة لواقع الأمهات العازبات . فحاليا، نجد معدل الزواج بالنسبة للمرأة العازبة يقارب 26 سنة، أما أغلب النساء المغربيات فيتزوجن في منتصف العشرينات، في الوقت نفسه أصبح من الصعوبة على النساء العودة إلى شبكة عائلية متماسكة بسبب الهجرة القروية. هذا إضافة إلى التراكم الملموس في عدد المنظمات المدنية التي تدافع عن حقوق الإنسان عامة و الأطفال بشكل خاص. كل هذه العوامل تجعل من حقوق كل من الطفل في العيش بكرامة إنسانية و الأم في تربية الطفل بنفسها بمثابة مطالب ملحة للمجتمع المدني لا يمكن الاستغناء عنها بسهولة.
كيف يتم مساعدة الأمهات العازبات؟
من أجل معالجة هذه الظاهرة كانت و لزمن طويل الراهبات و المنظمات العالمية مثل < منظمة أرض البشر> تقدم العون و الرعاية للأمهات العازبات لكن ومنذ سنوات الثمانينات بدأ الوعي بهذه المسألة يتشكل من داخل المجتمع المغربي. و في هذا الإطار بادرت عائشة الشنة بتأسيس جمعية التضامن النسائي سنة 1985 و هي الآن من المنظمات الرائدة في هذا المجال. وبعد جهود متواصلة قامت نفس الجمعية بتأسيس مركز الاستماع الذي يفتح أبوابه لجميع الأمهات العازبات بل أكثر من ذلك شيدت حماما عصريا سيتحول إلى مركز للسياح الأجانب الراغبين في الاستفادة من العديد من الخدمات، كالتدليك الطبي، صالون التجميل، غرفة اللياقة البد نية و غيرها. فعائشة الشنة تمثل نموذج المرأة الجريئة التي تخطت كل العقبات و الانتقادات اللاذعة التي وصفتها بالملحدة و المشجعة على الفساد، بسعيها المتواصل إلى خلق عالم متوازن وإنساني لكل الأمهات العازبات ، وهذا ينسجم مع ما صرحت به أكثر من مرة، حيث تعتبر أن الإسلام في القلب و العالم في العقل. جهود هذه المناضلة الجمعوية كللت بالاعتراف الدولي إذ فازت بالعديد من الجوائز العالمية ومن بينها جائزة اليزابيت غورغال بفرنكفورت الألمانية تقديرا لعملها النسائي الجبار.
الطريق مازالت شاقة…!
بالرغم من جهود المنظمات المحلية و الدولية وكذا تغيير بعض بنود مدونة الأحوال الشخصية مازالت الطريق شاقة أمام المدافعين عن حقوق الأمهات العازبات . فالمجتمع المغربي مازال ينظر بازدراء واحتقار إلى الأم العازبة ،و في هذا الأمر علامة على وجود عقلية تحريمية متجذرة لا يمكن القضاء عليها بتغيير بعض القوانين و القيام بمجموعة من الترقيعات الظرفية من طرف الدولة و لكن هذا المسعى يمكن أن يتحقق إذا تم التفكير في فتح باب الجدل حول المشروع المجتمعي الديموقراطي الذي تكون فيه ثنائية الحق و الواجب محددا أساسيا للانتماء إلى الوطن وتساهم فيه كل الفعاليات و القوى داخل المجتمع. عموما، الأم العازبة ،شأنها شأن المواطن المغربي ،هي في حاجة إلى نظام تكون فيه السيادة لدولة المؤسسات الضامنة للتعايش و السلم و الكرامة لكل فئات المجتمع.
محمد نبيل ـ صحافي مقيم بألمانيا
falsafa71@hotmail.com