تونس: نساء ثورة تونس/ د. نوال السعداوي

المصدر: 
qadita.net

تفزع الحكومات العربية والحكومات خارج الوطن العربى (خاصة الحكومة الأمريكية الإسرائيلية) من ثورة تونس الحالية أو أى ثورة شعبية أخرى، هذه الحكومات (المتعاونة داخليا وخارجيا) المتمرسة فى عمل انقلاب ضد الشعوب- تفهم لغة الانقلابات والمؤامرات فهما علميا محكما، لكنها تصاب بالفزع والتخبط والجهل فى مواجهة ثورة يقودها الشعب بنفسه، كما حدث فى تونس هذا الشهر الأول من عام ٢٠١١. سوف تنجح ثورة تونس رغم كل المناورات والتآمرات من داخل الوطن العربى وخارجه، سوف تنجح هذه الثورة الشعبية لأنها تشمل النساء والرجال والشباب والأطفال، وتلاميذ المدارس الابتدائية إلى الجامعة، لأنها ثورة قام بها الشعب التونسى رافعا شعارات الحرية، الكرامة، العدالة.. شعارات تشمل القيم الإنسانية.

الضمان الوحيد لنجاح ثورة تونس هو حماية الشعب كله لها، نساء ورجالا وشبابا، بحيث لا تجهض الثورة الشعبية، بالقلة المتمرسة داخلها على إجهاض الثورات، القلة من النخب الثقافية الأبوية الطبقية داخل كل بلد، القلة التى تخترق صفوف الشعب تحت اسم المعارضة أو الإصلاح السياسى أو الاقتصادى أو الدينى أو الوطنى أو القومى أو غيرها، هذه القلة المتدربة تاريخيا على القفز على الحكم الجديد تحت اسم الحكومة الانتقالية، أو إنقاذ الثورة الشعبية من الفوضى. انظروا ما يحدث فى تونس اليوم، كيف يعمل وزراء ونخب «نظام بن على الساقط» على التسلل والسيطرة على الحكومة الانتقالية، لإجهاض الثورة، لكن الشعب التونسى الواعى (نساءً ورجالاً وشباباً) خرج إلى الشوارع مرة أخرى، كاشفا المناورة الخفية. السؤال الآن: أين المرأة التونسية المناضلة فى هذه الحكومة الانتقالية؟ أغلب الوجوه التى رأيناها رجال، مع أن النساء التونسيات شاركن فى الثورة الشعبية، قرأت فى الصحف مؤخرا أن مخرجة تونسية أصبحت وزيرة للثقافة فى الحكومة الجديدة، هذا خبر جيد، لكن هل يكفى أن تكون المرأة مخرجة سينمائية لتكون ضد القهر الطبقى الأبوى الداخلى والخارجى؟ هل تعيين امرأة وزيرة للثقافة يكفى لحماية الثورة الشعبية؟ منذ تولى «بن على» الحكم فى تونس زادت الديكتاتورية شراسة تحت اسم الديمقراطية، بالضبط كما حدث منذ عصر أنور السادات فى مصر، مع الانفتاح على بضائع أمريكا وإسرائيل، تم اعتقال أو نفى أصحاب الفكر الإبداعى الحر خارج البلاد وداخلها، الخديعة الطبقية الأبوية الاستعمارية، تحت اسم الديمقراطية والليبرالية الجديدة، أنا مثلا دخلت سجن السادات فى مذبحة المعارضة المصرية سبتمبر ١٩٨١، وطوال عهد «بن على» لم أدخل تونس، كنت أتلقى دعوات من الشعب التونسى نساء ورجالا، قرأوا كتبى ورواياتى، يأتون بالآلاف لسماع محاضراتى، فى إحدى المرات تعطل المرور فى تونس بسبب الزحام على المحاضرة، مما دعا المنظمين إلى تغيير وقتها ومكانها، فاستقل الناس القطارات لحضورها فى جامعة القيروان، كان ياسر عرفات (يومئذ) فى اجتماع بتونس مع قيادات عربية، منهم وزير الإعلام فى عهد عبدالناصر، قال لى محمد فائق: «كانت محاضرتك حديث تونس، وياسر عرفات قال إن شعبيتك فى تونس مثل أم كلثوم»، وقلت: شعبية أى كاتب (أو كاتبة) لا تقارن بشعبية لاعب كرة أو راقصة أو مطربة عادية فما بال أم كلثوم كلها؟ حتى أصدر بورقيبة (قبل سقوطه فى ١٩٨٧) قرارا بمنعى من دخول تونس، قلت فى حديث للتليفزيون التونسى إن الحركة النسائية النضالية عبر القرون هى التى تحرر النساء، وليس الحاكم الفرد (بورقيبة حينئذ) سمع بورقيبة هنا الحديث (صدفة فى التليفزيون) فإذا به يفصل رئيس التليفزيون من منصبه، كان «بورقيبة» يعتبر نفسه المحرر الوحيد لنساء تونس، كيف يسمح رئيس التليفزيون لمخلوق أو لمخلوقة أن تسلب الإله الحاكم حقه المسجل فى التاريخ الوطنى ومناهج التعليم؟ نشرت الصحف المغربية خبر فصل رئيس التليفزيون بقرار من «بورقيبة» ذاته، كاشفة عن ديمقراطيته الزائفة. من يضمن استمرار الثورة التونسية لتحقق الحرية والكرامة والعدالة لنساء تونس ورجالها بالتساوى؟ كم مرة شاركت النساء فى الثورات الشعبية (الثورة الجزائرية، الفلسطينية، المصرية، اللبنانية، السودانية وغيرها من الثورات) ما إن استقر الحكم الجديد حتى أصبحت حقوق النساء فى خبر كان؟ سؤال ورد فى مقال د. منى حلمى فى بابها غناء القلم ٢٢ يناير ٢٠١١: هل تتحرر النساء (أوتوماتيكيا) من القهر الأبوى فى الأسرة حين يتحرر الرجال من القهر الطبقى فى الدولة؟ سؤال أجاب عنه التاريخ بالنفى، لأن العام لا ينفصل عن الخاص، البيت أو الأسرة لا تنفصل عن الدولة. التحرير الطبقى والأبوى يحدث فى آن واحد، لا يمكن تأجيل تحرير نصف المجتمع، النساء، حتى يتحرر النصف الآخر، تكتب د.منى حلمى: «يثور الرجل ضد الحاكم المستبد فى الدولة، ويرجع إلى بيته مشتاقا للاستبداد بزوجته. »

25.1.2011