المملكة العربية السعودية: خطف الأطفال والحضانة في محاكمنا

المصدر: 
Al-Riyadh

طبيبة وجراحة سعودية ناجحة تعمل في الإمارات العربية المتحدة كانت تقطن فيها مع زوجها، العاطل عن العمل، وابنتيها الصغيرتين حتى العام الماضي عندما قام بخداعها وخطف طفلتيها والهرب بهما إلى السعودية ثم طلقها بعد زواج دام أربعة عشر عاماً ومنعها من رؤيتهما منذ ذاك وقام الزوج السابق في المحكمة بتشويه سمعة طليقته وأم ابنتيه بكل ما أوتي من وسع، وبناء على أقواله فقط قررت المحكمة تسليمه حضانة ابنتيهما (تسع وسبع سنوات آنذاك).

للأسف فهذه القضية ليست استثناء في تاريخ القضاء وتعامله مع قضايا الحضانة والعلاقات الزوجية. وتثير هذه القضية بتفاصيلها عدداً من الإشكالات التي تحتاج إلى مراجعة، مساءلة، استفهام ومعالجة وربما أشياء أخرى. ومن هذه القضايا قضية اختطاف الأطفال، قضية المحاكم التي تحكم لصالح الأزواج العاطلين عن العمل غير المؤهلين لتربية الأطفال، الأم التي كثيراً ما يستهان بقيمتها في بعض محاكمنا السعودية، وأخيراً، الطبيبة والذمة الأخلاقية.

إن قيام بعض الآباء باختطاف أبنائهم من زوجاتهم أو زوجاتهم السابقات من بلاد خارجية إلى السعودية هو أمر كثيراً ما يتكرر لاسيما من طرف الآباء الذين يتزوجون من نساء غير سعوديات ويختلفون معهن وبالطبع فهو أمر غير مبرر لكن حدوثه مع الزوجة السعودية يجعله عملية استهتار بالقانون وبالمرأة وبالحقوق.

وقضية الاختطاف مسألة يعاقب عليها القانون الدولي وتخالف اتفاقية حقوق الطفل التي وقعت عليها معظم دول العالم ومنها السعودية فهي ترتب كثيراً من الإشكالات النفسية على الأطفال، فمسألة نزعهم من بيئتهم بشكل عنيف ومن حضن ورعاية أحد الأبوين أمرٌ يسبب كثيراً من الأزمات النفسية وحالات الانطواء وربما العنف المضاد وأشياء أخرى، مستشفياتنا النفسية ليست مستعدة لها. لاسيما وأن الاختطاف يترتب عليه منطقياً أن هناك خلافاً بين الزوجين ويكون الأطفال ضحيته وبالتالي يتم إسقاط الكثير من الصفات السلبية على الطرف الآخر. وفي حال الطبيبة السعودية فإن الأب الخاطف قام بإسقاط الكثير من الصفات السلبية على الأم فضلاً عن إقناع الطفلتين بأن أمهما قد ماتت. أي عنف نفسي يوقعه هذا الأب على ابنتيه بعد انتزاعهما عنوة وغدراً من أمهما ومدرستهما وبيتهما؟ ويمكن الاستطراد مطولاً في أمر الآثار النفسية لاختطاف الأطفال عليهم وعلى نموهم النفسي والعقلي، ويبدو أن ذلك لا يؤخذ بعين الحسبان من قبل المحكمة التي قضت له بالحضانة.

وهذا يأخذنا إلى القضية الثانية، وهي أحكام المحاكم. أعلم من خلال التجربة في الكتابة حول مواضيع القضاء أنه من المواضيع المحرم تناولها وإلا رفعت علينا القضايا بحجج يراها القضاء مبررة، ولكنني أقول مهما كان الأمر فإن القضاة بشر غير معصومين وقد يخطئون ومن حقنا كبشر كذلك أن نلفت انتباههم إلى التناقضات التي قد يقعون فيها، وقد حرم الله الظلم على نفسه ولا يستطيع قاض أن يدعي أنه يرتضي الظلم على نفسه.

وتعتبر قضايا الحضانة من القضايا التي يقع فيها الكثير من التجاوزات والظلم على المرأة بالتحديد وعلى الأطفال بالتالي. وكثيراً ما سمعنا عن الحكم بالحضانة لآباء غير مؤهلين للرعاية والتربية، آباء ربما أنهم مدمنو مخدرات أو غير صالحين أو عاطلين أو ما شابه لمجرد أن الأم ترتدي عباءة كتف أو تشاهد القنوات الفضائية فبالتالي تصبح غير صالحة. وما هذه القضية بمختلفة، فالرجل الذي اجترأ على خطف ابنتيه دون اكتراث بعواقب ذلك النفسية عليهما هو أيضاً عاطل عن العمل منذ سنوات ولا يرغب حتى في البحث عن عمل ويستمرئ أن يعيش على راتب زوجته الطبيبة. وليس لديه بيت مستقل ويعيش مع والديه المريضين والمدخنين بشراهة أي غير المؤهلين أيضاً لرعاية أطفال. بينما أمهما لديها راتبها من درجتين علميتين تحملهما في الطب والجراحة ولديها بيتها المستقل عن والديها ولديها دخل يحافظ على مستوى معيشي جيد للبنتين حتى لو لم تعمل، لكن القاضي يحكم للأب دون حضور الأم أو سؤالها أو التحقق من أي من المعلومات التي أخذ الأب يبثها، وهذا يقودنا إلى النقطة أو القضية الثالثة، الطبيبة وذمتها الأخلاقية.

فإحدى حجج الزوج أن زوجته السابقة التي تزوجها لمدة أربعة عشر عاماً تعمل طبيبة في مستشفى وتختلط بالرجال. فأتساءل هل هذه تهمة تجعل من أي أم غير صالحة؟ أليس في هذا الاتهام قذف لألوف طبيباتنا الشريفات اللاتي تفتخر بلادنا بنبوغهن وعملهن وكفايتهن؟ أليس في إقرار المحكمة لحضانة الأب وسحبها من الأم الطبيبة بناء على هذا الاحتجاج موافقة على هذا الاتهام وبالتالي الوقوع معه في عملية القذف المذكورة؟ أليس هؤلاء الطبيبات هن من يحرص القضاة الفاضلون على أن يكنّ من يكشف على زوجاتهم دون الأطباء من الرجال؟ كيف يُبرر هذا التناقض في المواقف من ذمة الطبيبات الأخلاقية بين الحاجة وبين إصدار الأحكام التي توجب الحد على من يقذفهن؟

آمل أن تتمكن الأم الفاضلة الطبيبة التي حُرمت من ابنتيها كل هذه الشهور أن يعاد فتح قضيتها ويُحكم لها بالعدل وبالحضانة وتعويضها عن كل الضرر الذي أوقعه الزوج السابق عليها وعلى ابنتيها وتشويهه لسمعتها.

وأخيراً هل بإمكاننا أن نسمع عن قضايا عادلة؟

د. هتون أجواد الفاسي

20/02/2011