صور من حياتنا

أيقظني صوت رنين هاتفي الخليوي في وقت مبكر جدا من الصباح، أمسكت بالجهاز وقد أقلقتني جدا المكالمة في هذا الوقت، فغالبا ما تأتي الأخبار السيئة بهذا الشكل.
- ألو، نعم. من؟.
- مدام، قلت لك مرارا أن لا تتدخلي بشؤون لا تخصك، أنت لا تستطيعين تغيير هؤلاء الساقطات.
سباب وشتائم. عرفت من خلال حديثه هوية محدثي الصباحي، كان الضابط المسؤول في مخفر شرطة الشاليهات، في الشاطئ الأزرق. حيث سارت معظم العائلات النازحة من حلب وادلب والرقة باتجاه اللاذقية، نتيجة للدمار الذي سببته الحرب السورية. كون اللاذقية كانت أكثر أمانا.
طلبت منه أن يهدأ لأفهم الحكاية، لكنه لم يتوقف عن الصراخ في وجهي طالبا حضوري بأقصى سرعة إلى مخفر الشاطئ "لأستلم بيدي نتيجة أفعالي"، هذا ما قاله.
استجبت لأوامره القاسية المغلفة بالاحتقار والتهديد، كان الوقت باكرا لأجد سيارة أجرة تقلني إلى تلك المنطقة البعيدة عن مكان إقامتي. ارتديت ملابسي بسرعة وحملت حقيبتي، وخرجت باتجاه الشارع الرئيسي.
مرت ساعة قبل أن أتمكن من الحصول على سيارة، خلال هذه الفترة كانت مكالماته تتلاحق وسخريته اللاذعة تزداد. لم أطلب منه أيما توضيح، عرفت أن الأمر يتعلق بريم، الفتاة الحلبية الجميلة والسيدة الصغيرة المطلقة. أم لطفل في الثانية من عمره.
كان لقائي بها مصادفة بحتة، كنت أقوم بجمع المعلومات في تلك المنطقة حين رأيتها تجلس على الرصيف وتضع أمامها علبة تحوي بعض حبات العلكة وعلبة أخرى فيها قطع نقدية متناثرة. استوقفني جمال وجهها وصغر سنها، ومكياجها الصارخ بالألوان الفاقعة. ثم تقدمت منها قائلة:
- مرحبا.
رفعت رأسها باتجاهي، وكانت تمضغ علكة.
- أهلا.
- هل تبيعين العلكة؟.
- لا، عم أتفرج عليها.
تلك العلبتين كانتا مجرد غطاء لعملها الحقيقي، كانت الفتاة تعمل بالبغاء. هكذا بكل بساطة، يحضر أحد الرجال ويضع في علبتها 500 ليرة، ثم يقف بعيدا عنها بضع خطوات. وبعد وقت قصير، تنهض هي وتغلق علبتيها وتضعهما في كيس أسود، ثم تمشي باتجاهه. في سيارة أو منزل أو حتى في أحد الأبنية البعيدة المهجورة. تغيب لمدة ساعة أو ساعتين، لتعود إلى مكانها بانتظار رجل آخر.
وضعت في علبتها 500 ليرة وابتعدت بضع خطوات، شهقت عندما رأت ما فعلت، نظرت باتجاهي وهي تسألني إن كنت أريد صحبتها. نهضت كما تفعل عادة وتقدمت نحوي.
- لا عليك، أريد أن أتحدث إليك قليلا فقط، هل بإمكانك سماعي.
أخذتها إلى أحد المقاهي وجلسنا، حدثتها عن عملي وعن عائلتي وسمعت قصتها المحزنة. قصة زواجها وكيف أن أخوها أجبرها على الزواج من صديقه، ثم وبعد سنة من زواجها أجبرها على الطلاق منه لاختلافه معه. كانت وقتها قد حملت بولدها، سحبها من منزل زوجها إلى منزل والديها، وسجنها هناك أيام قبل أن تخرجها والدتها لتروي حكاية كاذبة عن معاملة زوجها القاسية  لها لأحد المشايخ.
تم الطلاق بسرعة، بعد شهر أو أقل بدأت الاشتباكات في مدينة حلب وازدادت حدتها بسرعة. وأصبحت الحياة في منطقتها شبه مستحيلة، اضطر أهلها، كما أهل الحي جميعا، أو من بقي منهم حيا، إلى المغادرة نحو اللاذقية.
بقي أخوها ليحارب في مدينته، ووالدها قتله مرض عضال بعد صراع طويل في المشفى، احتاج خلاله الكثير من الأدوية، وكانت هي وأخواتها الثلاث يعملن ببيع عبوات المناديل الورقية وتنظيف أدراج أبنية المدينة لتأمين بعض الأدوية، لكنهن لم يستطعن إنقاذه فتوفي. لتبقى هي وأمها وولدها وأخواتها، ومعهن خمس من فتيات العائلة محشورون في إحدى الغرف، حيث يقفن يوميا ساعات طويلة لانتظار دورهن في الحمام، فالمنزل كان يحوي أيضا ثلاث غرف أخرى وكل منها يقطنها حوالي العشرة أشخاص، يشتركون في الحمام والمطبخ. أثاث غرفتهم تلك، كان مجرد حصير بلاستيكية وبعض الاسفنجات، تبرعت النسوة بإحداها للطفل الصغير، وبعض الكؤوس والصحون.
- نعم، هكذا خرجنا من منازلنا، بثيابنا. لا أوراق ولا بطاقات هوية، ولا نقود حتى. وكل هذا الظلم.
- إن تمكنت من تأمين عمل لك، هل تتركين الدعارة؟.
- طبعا، أرجوك يا سيدتي، لقد أصبحت لا أطيق النظر في وجه طفلي الصغير.
لم يكن الأمر سهلا أن تؤمن لها عملا، يومها أعطيتها كل ما في حقيبتي من نقود، ولم تكن كثيرة. طالبة منها أن تتوقف عن عملها حتى أرى ما سأفعله.
ذهبت إلى منزلها ورأيت أخواتها وأمها وطفلها الجميل. زياراتي المتعاقبة إلى منزلهن، نبهت أحد عناصر الشرطة والذي كان يراقب دخولي وخروجي إلى المنطقة. وبعد أيام، طلب مني بشكل مباشر الذهاب إلى المخفر لمقابلة رئيسه. ذهبت إليه وأنا أعلم ما ينتظرني:
- سيدتي، أنا أحترمك وأحترم عملك، بس رجاء، ابتعدي عن منطقتي.
- منطقتك؟ هذه أرض سورية وأنا لدي ترخيص بالعمل في كافة الأراضي السورية.
- هذه المنطقة لها خصوصيتها، منطقة نازحين.
- لأنها كذلك، هم بحاجتي أكثر من غيرهم.
- وما الذي تفعلينه؟ تلمين الساقطات من الشارع، لتطلبي منهن التوبة؟.
-  لسن بحاجة للتوبة، بل للمساعدة.
- أنظري.
وأشار إلى مكتبه لأوراق بيضاء مكدسة بكومة مرتفعة:
- هذه كلها طلبات إعانات وكلها تمت الموافقة عليها واستلم أصحابها حصصهم. إن كان عن طريق الدولة أو حتى من الهلال الأحمر.
- لا أريد أن أقلل من أهمية عمل أي أحد، لكن الأرز والبرغل والفول ليس كل ما يحتاجه الإنسان الطبيعي.
- طبعا، يحتاج للوساخة وقلة الحيا.
كنت أعلم سابقا أن لا مجال لإقناعه بأن تلك النسوة لسن ببهائم تضع لهن بعض الحبوب وتطلب منهن الجلوس في مكان لا يتحركن منه.
خرجت من عنده وقد سمعت بعض التهديدات المبطنة، إن عاودت دخولي إلى منطقته، فسوف يكون غير مسؤول عن النتائج.
نسيت كلامه بعد أن اتصل بي أحد الأصدقاء ليخبرني أنه تمكن من تأمين عمل لريم في إحدى المحلات التجارية، كبائعة، ولكن بدوام كامل طويل. وعلى الفور ذهبت إليها وأخبرتها، فرحتها العارمة جعلتها تنسى بؤسها لتطلق الزغاريد وتبدأ بالتصفيق وطبع القبلات على وجهي.
وبالفعل، عملت ريم في ذاك المحل، وقد ذهبت إليها مرات عديدة لأطمئن عليها.
مرت سنة وهي تعمل، وحتى ساعة متأخرة لتعود إلى ذاك المنزل وتنحشر بين أخواتها وأمها وطفلها. فما الذي حصل وجعل ذاك الضابط المسؤول عن سلامة منطقته يثور هكذا؟.
وصلت إلى مخفر الشاطئ، وكان قلبي يخفق بقلق وحزن عميق حتى كادت تغدرني تلك الدموع المتحجرة في عيني منذ ثلاثة سنوات، وتأبى أن تنفجر حتى لا أغرق فيها وتنقطع أنفاسي.
وصلت إلى المكان، وطلبت من الشرطي الواقف خارجا إعلامه بوصولي، سمعت أصوات ضحكاته عندما سمع باسمي.
- أدخلها...أدخلها.
دخلت وجلست على كرسي بالقرب من مكتبه:
- أتشربين القهوة أولا؟ أو...لا. لا، أفضل أن تشربي قهوتك حتى تتمكني من....
قاطعته بلهجة جدية:
- أرجوك سيدي، أنا متأكدة أن ما جعلك تحدثني في هذا الوقت المبكر أمر جلل لا يحتمل حتى تشرق الشمس، أرجوك أخبرني ما القصة؟.
صرخ بأحد العناصر طالبا إحضار ريم، كما توقعت. مرت لحظات كانت برودة جسدي تزداد، وعندما دخلت كانت بحالة مزرية؛ غطاء رأسها لا يستر شعرها الأشقر الطويل المتناثر، ملابسها ممزقة تظهر بعض من جسدها المدمى بآثار جروح آدمية. فمها متورم أزرق وبضع قطرات من الدم المتجمد على زاوية شفتيها.
كان الشرطي يقبض على ذراعها بقسوة، وحين بلغ بها منتصف الغرفة قذفها باتجاه طاولة الضابط، لتقف أمامي مطرقة الرأس. نهضت ثم أمسكت بكتفيها، احتضنتها إلى صدري، علي أمنحها بعض القوة لتقف وتصرخ أن ما يحاولون قوله كذب و...
- سأخبرك أين وجدناها، وأتركك معها قليلا لتحضنيها كما تشائين، اسمعي الآن، لقد ذكرت اسمك بالتفصيل، اسمك الثلاثي،  وقالت أنك أنت من عرفها على صاحب المحل الذي تعمل فيه، حيث كانت تعمل أعمالها الوسخة.
- أرجوك سيدي، أخبرني ما الذي حصل؟.
- سأخبرك، لا تستعجلي فأنت ستبقين هنا لبعض الوقت. لقد تم ضبط هذه السيدة مع ثلاثة رجال في غرفة داخل المحل، وذلك تم بإخبارية من الجيران الذين شهدوا على ذلك. إن هذه الفتاة كانت تحضر إلى المحل بعد إغلاقه لتفتحه وتدخل إليه بصحبة بعض الرجال، وهكذا بشكل يومي.
- مستحيل!.
- انتظري، عندما وصلنا كانت في وضع متلبس مع ثلاثة رجال، ولدى التحقيق معها، أخبرتنا أنك من عرفها على صاحب المحل، واكتشفت أنه،  بعد فترة من عملها، يستخدم محله ليلا لأعمال الدعارة. وهددها إن لم تعمل معه سيطردها من عملها، وهكذا اضطرت المظلومة إلى العمل.
- مستحيل!..مستحيل.
خرج من الغرفة، وقبل أن تجهش ريم ببكاء مرير، كانت دموعي قد تفجرت أيضا، محاولة غسل كل الأكاذيب التي قالها، ريم لا تعرف اسمي الثلاثي، وحالة جسدها المدمى، ليست حالة سيدة كانت تستمتع بالجنس مع ثلاثة رجال، وإنما امرأة كانت تتعرض للاغتصاب من قبلهم. أما سبب وجودها في وقت متأخر في المحل، فله ألف حجة. لم أشأ أن أفقدها قوتها في محاولة تذكر ما حصل، كنت أريدها أن تبقى واقفة على قدميها، وأن لا تنهار حتى أستطيع أنا البقاء واقفة أيضا.
فتحت ذراعي على مداهما، متمنية أن تتمكنا من حمايتها، لكي يدي كانتا أقصر مما توقعت وأضعف من إحساسي بهما.
(بقلم: لمى علي)